هل تنجح القوى المتوسطة عالمياً في كفاحها لرسم مسار تجاري مستقل؟

آلان بيتي

يجتمع قادة الاتحاد الأوروبي، الخميس والجمعة، لبحث سبل مواجهة الهيمنة التجارية الصينية، ومن المهم في هذا السياق التوقف عند تجربة دولة متوسطة القوة مثل كندا في سعيها لبناء مراكز قوة بديلة للولايات المتحدة.

وينشط رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في هذا المجال، لكن يبقى أن نرى ما إذا كارني سيحرز أي تقدم، أم سيجد نفسه عالقاً في منطقة رمادية بين حلفاء غير متوافقين.

وكان كارني أبهر العالم - أو على الأقل، تلك الشريحة المهتمة بالحوكمة العالمية - في دافوس في يناير الماضي، بحديثه عن تحالف للقوى المتوسطة لا يعتمد على القيادة الأمريكية، لكن تفعيل هذا التحالف ليس بالأمر الهين، فبعد مرور خمسة أشهر تقريباً ما زال كارني يحاول أن يوازن بين الجنوب والغرب والشرق في آن واحد.

وفي الأسبوع الماضي، وخلال زيارة إلى أيرلندا - إحدى الدول الثلاث التي كان يحمل جواز سفرها- لفت كارني الأنظار عندما وصف كندا بأنها «إحدى أكثر الدول غير الأوروبية تمسكاً بالقيم الأوروبية».

وتعهد بتعميق كندا لعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، كما صرح بأن القوى المتوسطة ينبغي ألا تتنافس مع الولايات المتحدة على النفوذ، وأن مجموعة الدول السبع، التي تجتمع هذا الأسبوع في فرنسا، لا تُسيّر العالم.

في الوقت نفسه يدرك كارني الصدمة الكبيرة التي يمكن أن تنجم عن إلغاء اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، والتي ستُجرى بشأنها مفاوضات مصيرية في الأسابيع المقبلة.

ورغم رغبته في الابتعاد عن التجارة مع الولايات المتحدة، على سبيل المثال من خلال فرض حصة استيراد للسيارات الكهربائية الصينية، فقد أكد مؤخراً أهمية اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا حتى إن السفير الأمريكي لدى كندا، بيت هوكسترا، صرح الأسبوع الماضي بأنه معجب بلهجة رئيس الوزراء الكندي الأكثر هدوءاً.

وتتمثل استراتيجية البيت الأبيض في ربط المكسيك وكندا بـ«حصن أمريكا الشمالية»، وإثناء الدولتين عن التجارة مع اقتصادات خارج التكتل، ولا سيما الصين، من خلال اشتراط قواعد المنشأ.

وللمساهمة في الوقت نفسه، في جذب المزيد من سلاسل التوريد الأجنبية إلى الولايات المتحدة، ولذلك يجد كارني نفسه مطالباً بإيجاد طريقة ما للتوفيق بين هذا الطلب الأمريكي ورغبته في التنويع الاقتصادي والجيوسياسي.

ويبدو أن الجانب الاقتصادي أصعب بكثير من الجانب السياسي، ففي التجارة لا تزال الجغرافيا عاملاً حاسماً إلى حد كبير، إذ إن أكثر من ثلاثة أرباع إجمالي تجارة كندا كانت مع الولايات المتحدة منذ عقود، ولم تتأثر إلا قليلاً باتفاقية التجارة الحرة الشاملة بين كندا والاتحاد الأوروبي (سيتا) لعام 2017 أو اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ الشاملة والتقدمية لعام 2018.

وتُصدّر كندا معظم نفطها وغازها إلى الولايات المتحدة، وقد بذلت بعض الجهود لتنويع اقتصادها، لكنها لا تستطيع ببساطة مد خطوط الأنابيب وإعادة توجيهها إلى أوروبا أو آسيا.

وقد التزمت كندا بشكل أكبر بلوائح الغذاء الأمريكية مقارنة بلوائح الاتحاد الأوروبي، ما حدّ من فرصها في تنويع التجارة الزراعية عبر المحيط الأطلسي. ورغم حديثها المعسول عن تطوير تحالفات في مجال المعادن الحيوية، إلا أن ذلك لم يُترجم إلى نتائج ملموسة حتى الآن، وعموماً فإنني أتابع الوضع باهتمام بالغ، وبحسن نية لأرى ما يمكن أن يفعله كارني لتعزيز استراتيجيته كقوة متوسطة، مع التشديد على أنني لم أرَ الكثير حتى الآن.