البنوك المركزية تواجه صعوبات متزايدة في كبح التضخم الجامح

آندي هالدين

أصبح البنك المركزي الأوروبي منذ أيام أول بنك مركزي رئيسي يرفع أسعار الفائدة لمواجهة خطر التضخم الناجم عن ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة لأزمة الشرق الأوسط. وخلال الأيام القادمة، ستتجه الأنظار إلى قرارات أسعار الفائدة الرئيسية على جانبي المحيط الأطلسي.

ومن المرجح أن يثير هذا القرار انقساماً في الآراء داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا، حيث ستعتمد القرارات على تقديرات مدى استمرار التضخم.

ولا تزال البنوك المركزية تعاني من آثار صدمة الطاقة الأخيرة التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. حينها، قللت هذه البنوك من شأن استمرار التضخم المحتمل، ما أدى إلى رفع أسعار الفائدة متأخراً جداً.

ومع ارتفاع التضخم، عدلت الشركات والعمال توقعاتهم للأسعار والأجور بالزيادة - ما يعرف بتأثيرات «الجولة الثانية» - ما زاد من حدة التضخم. وهكذا انطلق التضخم الجامح.

ونشأت تلك الأخطاء من التقليل من شأن قوة الصدمة ومدتها، وسرعة تعافي الطلب مقارنة بالعرض بعد جائحة كوفيد19. وبالاستفادة من هذه الدروس، ثمة أسباب وجيهة لتوقع استمرار التضخم لفترة أقصر هذه المرة.

فالصدمة في قطاع الطاقة أقل حدة. وعلى عكس تداعيات الجائحة، فإن الطلب منخفض نسبياً وأسواق العمل هشة، ما يقلل من خطر حدوث آثار ثانوية.

ويتعلق المجهول الأكبر بالمدة المحتملة للصدمة - إلى متى ستظل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز متأثرة؟ وهذا أمر يصعب التنبؤ به، لكن في ظل هذا الغموض، إلى جانب الوضع الاقتصادي المتردي.

قد تبدو استراتيجية السياسة النقدية القائمة على «الترقب والانتظار» منطقية، على الأقل حتى ظهور دلائل على حدوث آثار ثانوية. ومع ذلك، فإن البنوك المركزية، بفعلها هذا، معرضة لخطر تكرار خطئها السابق المتمثل في التدخل المتأخر وغير الكافي - وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.

إن الدروس التي يجب عليهم استيعابها ليست من أزمة 2022، بل من أزمة سابقة قلل خلالها صانعو السياسات بشكل كبير من شأن التداعيات النظامية لصدمة أخرى بدت متواضعة ظاهرياً، ألا وهي انهيار بنك ليمان براذرز عام 2008.

فقد أدى عدم إدراك ترابط ليمان براذرز في سلاسل الائتمان العالمية، ودوره كمركز مالي، إلى تداعيات أكبر بكثير من المتوقع عند انهيار البنك. كما عمل ليمان براذرز كأداة تنسيق لتوقعات المستثمرين بشأن الاستقرار المالي. وبمجرد اختلال هذا الاستقرار، تضخم عدم الاستقرار ليتحول إلى أول أزمة مالية عالمية حقيقية في العالم.

وتعمل هذه الآليات نفسها اليوم، لكن مركزها الآن هو هرمز وسلاسل التوريد العالمية للسلع. وتظهر أبحاث حديثة للخبير الاقتصادي براسانا غاي أنه إذا تجاهلنا البنية المعقدة لسلاسل التوريد العالمية.

فإن التداعيات التضخمية الناجمة عن الصدمات التي تصيب مراكز التوريد الرئيسية يتم التقليل بشكل كبير من شأنها، ما يؤدي إلى تضخم التضخم وزيادة استمراريته.

كذلك، فإن قنوات انتقال التأثير هي نفسها كما كانت في عام 2008، فبنية سلاسل التوريد الحديثة المعقدة والمتشابكة تعني أن الصدمات التي تصيب مركز توريد رئيسي تحدث تداعيات أوسع وأشمل بكثير في الأسواق والقطاعات مما تتوقعه النماذج النقدية التقليدية.

نشهد بالفعل تأثير هذه الضغوط على التضخم، إذ ترتفع أسعار السلع في مختلف البلدان وعلى نطاق واسع. ولمدة ثلاثة أشهر، وعلى أساس سنوي ترتفع أسعار المنتجين بنسبة تتراوح بين 10 و20 % في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.

وبالنسبة لبعض السلع، تعتبر الزيادات أكبر بكثير. ففي تايوان، موطن حوالي 90 % من أسرع الرقائق الإلكترونية في العالم، يبلغ معدل التضخم السنوي للصادرات 30%.

وفي الولايات المتحدة، وصل معدل التضخم في قطاع التكنولوجيا إلى 20% سنوياً. ويلمس كثيرون هذه الضغوط الآن في مراحل لاحقة من سلسلة التوريد، حيث ترتفع أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو بوتيرة أسرع بكثير من المستهدف.

وثمة خطأ آخر تغفله البنوك المركزية، وهو اعتقادها أن الآثار الثانوية التي تخشاها تعتمد فقط على مدة الصدمة – وهي غير معروفة حتى الآن. وتعتمد هذه النتائج، بالقدر نفسه من الأهمية، على مدى تركز الصدمة في سلاسل التوريد - وهو أمر معروف.

ولأن مضيق هرمز يعد مركزاً رئيسياً للإمدادات العالمية، فإن الصدمات التي يتعرض لها تؤدي إلى تزامن توقعات تحديد الأسعار والأجور، ما يجعل خطر حدوث تداعيات ثانوية أعلى مما كان عليه في عام 2022، وذلك رغم ضعف الطلب.

ومن اللافت للنظر أن توقعات الأسعار لدى مديري المشتريات قد ارتفعت بالفعل بشكل حاد ومتزامن أكثر مما كانت عليه في عام 2022، على الرغم من أن الصدمة نفسها كانت أقل حدة.

أما توقعات المستهلكين فقد شهدت تغيرات أقل حتى الآن، لكنها لا تزال هشة. ويتطلب تجنب تصاعد هذه التوقعات تشديداً استباقياً للسياسة النقدية.

إن من الخطورة بمكان التقليل من شأن استمرار التضخم مرة أخرى، فبالنسبة للأسواق المالية، ينذر ذلك بخطر التقليل من وتيرة وحجم رفع أسعار الفائدة اللازمة لإعادة التضخم إلى مستواه المستهدف.

وبالنسبة للمستهلكين والشركات، ينذر ذلك بخطر استمرار الضغوط على تكلفة المعيشة وممارسة الأعمال، ما يضعف الطلب. وبالنسبة للسياسيين، ينذر ذلك بخطر تفاقم السخط الشعبي على مستويات المعيشة.

وبالنسبة، للبنوك المركزية، فهي تخاطر بتكرار سيناريو سابق. وقد تعرضت لانتقادات كبيرة لتقاعسها في المرة السابقة التي ارتفعت فيها أسعار الطاقة بشكل حاد.

لذلك، فإن تكرار هذا الخطأ سيظهرها بمظهر المهمل ويهدد مصداقيتها. وهذا يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لكبح جماح التضخم قبل أن يفلت من قبضتها مرة أخرى.