هل أصبحت الخصوصية باباً من أبواب الترف في عصرنا الحاضر؟

إليزابيث باتون

مؤخراً، عرفني أحد أقربائي على شخص جديد. ظن أنه سيكون مصدراً قيماً للمعلومات حول الصفقات التي تبرم خلف كواليس صناعة المنتجات الفاخرة، ولحسن الحظ تبين لي صحة هذا الظن.

لكن ما يثير فضولي بشأن هذا الشخص هو أنه رغم كونه مستثمراً كبيراً وذا سمعة طيبة إلا أنه لا وجود له على الإنترنت، فموقع مكتبه عبارة عن صفحة تعريفية فقط؛ ولا يُدلي بتصريحات للصحافة، كما أنه ليس لديه حسابات نشيطة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولا صور براقة في فعاليات خيرية أو عامة، ولا معلومات شخصية متاحة عنه أو عن عائلته الصغيرة على جوجل، باستثناء إشارات إلى تخرجه في إحدى جامعات رابطة آيفي في أوائل الألفية الثانية، ومشاركته في برنامج تدريبي في إحدى شركات وول ستريت المرموقة.

هنا أود أن أؤكد لمن قد يساوره القلق أنني لم أقع ضحية احتيال، أو أنني أتعامل مع محتال ذي شخصية مزيفة. في الواقع بات هذا النهج في الحضور على الإنترنت - أو بالأحرى النفور منه - شائعاً بشكل متزايد بين فائقي الثراء.

ففي عصر الإفراط في الظهور، وفي ظل اعتماد متزايد ومقلق على خوارزميات شركات التكنولوجيا العملاقة وتتبعها، ينظر إلى القدرة على الاختفاء بصفتها ميزة جديدة وحاسمة؟

يُطلق خبير استراتيجيات العلامات التجارية، يوجين هيلي، على هذا المفهوم اسم «الخصوصية المتصلة»، وفي مقطع فيديو نشره على تيك توك العام الماضي أوضح كيف أصبح هذا التوجه المناهض للثقافة السائدة مؤشراً متزايداً على الامتياز، ودليلاً على القرب من التأثير الحقيقي. ليس من المستغرب إذن أن تشيع مثل هذه السلوكيات بين أصحاب الثروات في القرن الحادي والعشرين.

وفي كلمتها خلال قمة فاينانشال تايمز للرفاهية في إيطاليا الشهر الماضي صرحت كلوديا داربيزيو من شركة «باين» بأن الخطر الأكبر الذي يواجه قطاع الرفاهية حالياً ليس الحرب أو التضخم، بل التفاوت الطبقي الحاد.

وحذرت من أن السلع الفاخرة، بدلاً من أن تكون رمزاً للنجاح، قد تتحول إلى رمز للإقصاء الاجتماعي، لا سيما مع الارتفاعات الهائلة في أسعار العلامات التجارية خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلت العديد من المنتجات بعيدة المنال عن المتسوقين الطموحين.

وقد تُهيمن العقلية البراقة لـ«الازدهار السريع» على قطاعات واسعة من أمريكا في عهد ترامب، بأسسها المتمثلة في الاستهلاك التفاخري، وبناء قاعات الاحتفالات، والتفاخر بالثروة على إنستغرام وغيرها.

لكن الوعي المتزايد لدى شريحة الواحد في المئة بأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء قد اتسعت إلى هوة سحيقة خلال العقود القليلة الماضية يزداد قوة أيضاً، ويصاحب ذلك قلق بشأن ما يُمكن السيطرة عليه، وما لا يُمكن السيطرة عليه.

ولنأخذ على سبيل المثال النمو الهائل في استخدام الطائرات الخاصة منذ الجائحة، حيث يسعى أصحاب الثروات الطائلة إلى تعزيز شعورهم بالتحرر من القيود اليومية، وتقليل تعرضهم للعامة، والتدقيق العام المزعج. وتشير تقارير مجموعات الضيافة إلى تزايد الطلب على طاولات الأعضاء فقط في الأماكن الخاصة، ومداخل ومصاعد كبار الشخصيات.

كذلك تتزايد المخاوف بشأن الأمن الشخصي؛ وقد دفعت المخاطر الواضحة لارتداء ساعة رولكس أو حمل حقيبة هيرميس في شوارع لندن أو باريس بعض الأثرياء إلى اقتناء نسخ مقلدة من سلعهم الفاخرة المفضلة.

وأخبرتني سيدة فائقة الثراء أنها أمضت عقوداً وهي تتزين بعناية بأرقى الأزياء والمجوهرات أمام أعين الآخرين؛ أما الآن فهي تفضل الإنفاق ببذخ فقط على الفنون والديكورات الداخلية الفاخرة، التي لا يراها إلا هي وأقرب أصدقائها وأفراد عائلتها.

وكما تبرز في العالم المادي تهديدات متزايدة فإن الإنترنت أصبح عدائياً ومرهقاً أيضاً، ولذلك لم يعد الشعور بمزايا الانقطاع عن العالم الرقمي يقتصر على الأثرياء فقط؛ فكثير منا يشيد بفوائد قضاء الوقت بعيداً عن رسائل البريد الإلكتروني والإشعارات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

وذلك رغم أن الكثيرين منا يظلون بحاجة كبيرة للوجود على الإنترنت من أجل التقدم في العمل أو المجتمع. وبذلك فقد تطور مفهوم الرفاهية الحديثة من الإسراف المادي إلى مقياس شخصي أكثر للحرية وجودة الحياة.

بعبارة أخرى: إذا كانت الرفاهية تستمد قيمتها من امتلاك ما لا يملكه معظم الناس، وإذا كان التواجد بعيداً عن الأنظار يصبح أمراً أكثر صعوبة يوماً بعد يوم فقد بات كثيرون ينظرون إلى الخصوصية على أنها الرفاهية الحقيقية في عام 2026.