وتساعد أجهزة الذكاء الاصطناعي من «إنفيديا» هذا الحاسوب المصنوع من النحاس والفولاذ، على تحقيق قدرات حسابية استثنائية، بفضل قدرته على تحليل وتوقع الأنظمة المعقدة مثل التدفقات المالية أو التفاعلات الكيميائية.
يقول جيرالد مولالي الرئيس التنفيذي لشركة «أوكسفورد كوانتم سيركيتس»، وهو يشير إلى قاعدة عملاء شركته كدليل على ثقتهم بإمكانيات هذه التقنية: «يبدو الأمر مستقبلياً للغاية، ونحن أتفهم ذلك تماماً.
إنه في جوهره رهانٌ من هذه الشركات على أن هذا سيحدث، وسيكون له تأثيرٌ كبير، لذا كلما أسرعنا في استخدامه، زادت خبرتنا فيه». لكن بعض العلماء يخشون أن تُهدد القوة الهائلة لهذه التقنية الخصوصية والأمن القومي، بينما لا يزال آخرون يشككون من الأساس في إمكانية صنع أجهزة مفيدة.
واليوم، لم تعد الحواسيب الكمومية حكراً على مختبرات الأبحاث، إذ تستكشف الشركات إمكاناتها التجارية. ويُقدّر مراقبو الصناعة وجود عشرات من أنظمة الحوسبة الكمومية في العالم، وهو عدد تتوقع شركة ماكينزي الاستشارية أن يرتفع إلى حوالي 5000 نظام بحلول عام 2030.
وعندما طرحت شركة «كوانتنام»، المدعومة من هانيويل والمتخصصة في الحوسبة الكمومية، أسهمها للاكتتاب العام الأولي في بورصة ناسداك في وقت سابق من الشهر الجاري، قُدّرت قيمتها بأكثر من 15 مليار دولار. وارتفع سعر سهم شركة «آيون كيو» المنافسة بأكثر من 700 % منذ سبتمبر 2024. وتستهدف أيضاً كل من جوجل وآي بي إم تقديم أجهزة مفيدة بحلول عام 2030.
وصرح سوندار بيتشاي الرئيس التنفيذي لشركة جوجل، في نوفمبر الماضي أن هذه التقنية وصلت الآن إلى «المستوى الذي كان عليه الذكاء الاصطناعي قبل خمس سنوات». كذلك، تدرس الحكومات استثمارات استراتيجية.
فقد أعلنت الولايات المتحدة الشهر الماضي عن خطط للاستحواذ على حصص بقيمة ملياري دولار في 9 شركات للحوسبة الكمومية، من بينها شركة ناشئة مدعومة من شركة لها صلات بعائلة ترامب، وشركة أخرى طرحها مسؤول في البنتاغون للاكتتاب العام.
كذلك، تظل «التحديات الهندسية» التي يؤكد مطورو هذه الأجهزة إمكانية حلها في السنوات القليلة المقبلة هائلة.
لكن مع بدء الأجهزة الجديدة في إظهار قدرتها على التفوق على الحواسيب التقليدية في مجالات متخصصة - وهو ما يُطلق عليه في هذا المجال «التفوق الكمومي»- يتزايد خطر التقليل من أهمية هذه التقنية.
وفي البداية، أراد الباحثون معرفة إمكانية تحسين أداء الحواسيب من خلال استغلال التأثيرات الكمومية غير العادية التي تُظهرها المادة على المستويين الذري ودون الذري.
وهذا يسمح للأجهزة الكمومية بمسح حلول محتملة متعددة في وقت واحد، بدلاً من التعامل معها واحدة تلو الأخرى، كما يفعل الحاسوب التقليدي.
ومن المفترض نظرياً أن يكون الجهاز الكمومي ذو القدرة الكافية بارعاً في توقع التفاعلات بين الأدوية والخلايا الحية، والتي تُحدد مدى فعالية دواءٍ جديد. ودفعت هذه الإمكانات بالفعل شركات التكنولوجيا إلى التعاون مع مجموعاتٍ صناعية.
فقد تعاونت جوجل مع شركة الأدوية «بوهرينجر إنجلهايم» في اكتشاف الأدوية، كما تعاونت مع شركة بوش في علوم المواد، ومع مرسيدس-بنز في تكنولوجيا البطاريات.
وأيضاً، تعاونت مع شركة فولكس فاجن لصناعة السيارات لإجراء أبحاث حول انسيابية حركة المرور وتحسينها.
وكانت شركة شيفرون تكنولوجي فنتشرز، ذراع رأس المال الاستثمارية لشركة النفط متعددة الجنسيات شيفرون، من بين المستثمرين في جولة تمويل بقيمة 260 مليون جنيه إسترليني، اختتمتها شركة «أوكسفورد كوانتم سيركيتس» الأسبوع الماضي.
وتقول شيفرون إن استثمارها يبرز اهتمامها بتقنيات الكم في مجالات مثل الأمن السيبراني، ومعالجة البيانات، وتحسين الأنظمة المعقدة.
من جانبه، يقول روب أوتر رئيس قسم الأبحاث التطبيقية العالمية للتكنولوجيا في جي بي مورجان تشيس، إن قطاع الخدمات المالية يتوقع أيضاً «فوائد مبكرة من الحوسبة الكمومية، لقدرتها على معالجة وتحليل مجموعات البيانات الكبيرة والمتدفقة بسرعة بكفاءة، مثل سجلات المعاملات، وبيانات السوق، وإشارات المخاطر».
وكشفت شركة يونيسيس للتكنولوجيا عن أنها حققت نتائج واعدة من خلال شراكاتها مع شركة المدفوعات الإلكترونية «بايسيف»، والمركز الوطني للحوسبة الكمومية في المملكة المتحدة.
وخلصت إحدى دراسات «يونيسيس» في مجال كشف الاحتيال، إلى أن النهج الكمومي حقق نسبة صفر من النتائج السلبية الخاطئة، مع تقليل النتائج الإيجابية الخاطئة إلى أدنى حد.
وهذا أمرٌ جديرٌ بالملاحظة، لأن النتائج السلبية الخاطئة، تعني إغفال بعض عمليات الاحتيال، بينما تُسبب النتائج الإيجابية الخاطئة إحباطاً للعملاء، لأنها تعني حظراً لمعاملات مشروعة.كما تعاونت ماستركارد مع مركز الحوسبة الكمومية لتطوير نظام تجريبي لكشف الاحتيال الكمومي، والذي أظهر نسبة أقل من النتائج الإيجابية الخاطئة، مقارنةً بالتقنيات الحالية، عند اختباره على بيانات متاحة للعموم.
وقال كين مور كبير مسؤولي الابتكار في ماستركارد: «تقع الحوسبة الكمومية عند نقطة التقاء الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن»، مشيراً إلى أن التطبيقات الكمومية المستقبلية قد تمتد إلى مجالات مثل نمذجة المخاطر والتشفير من الجيل التالي.
وبمجرد إطلاق أولى الحواسيب الكمومية التجريبية في التسعينيات، بدأ العلماء بالتنبؤ بيوم الاختراق الكمومي، وهو التاريخ المفترض الذي ستتمكن فيه الحواسيب الكمومية من اختراق أنظمة التشفير الشائعة.
لكن هذا التطور سيعني عند حدوثه تعريض كم هائل من البيانات السرية للخطر، بدءاً من أسرار الأمن القومي، وصولاً إلى السجلات الصحية والمعلومات المالية الشخصية.
ويزداد الخطر لأن المتسللين يمكنهم سرقة البيانات اليوم لاختراقها عند بلوغ يوم الاختراق الكمومي: وهي استراتيجية تُعرف باسم «اجمع الآن، وفك التشفير لاحقاً».
وصرّح آيو أكينييلي رئيس قسم الهندسة في ريبل إكس، ذراع تطوير تقنية البلوك تشين التابعة لمجموعة ريبل للعملات الرقمية، لصحيفة فاينانشال تايمز مؤخراً، بأن التهديد الكمومي «انتقل من اعتباره نظرياً إلى كونه واقعياً».
ويشير تاريخ الحوسبة إلى أن الأجهزة الكمومية من المرجح أن تزيد الطلب على الأجهزة التقليدية اللازمة لدعمها، وهو ما يشدد عليه تيموثي كوستا نائب رئيس شركة إنفيديا، والمدير العام لقسم الحوسبة الكمومية. ويشير إلى أن الحواسيب الكمومية والذكاء الاصطناعي لن يتنافسا على التفوق، بل سيُعزز كل منهما الآخر.
كما أن الظواهر الكمومية هشة، وعرضة للاضطرابات البيئية، كالحرارة أو المجالات المغناطيسية التي قد تؤثر في النتائج. ويستخدم المطورون تقنيات تصحيح الأخطاء للتخفيف من هذه المشكلات.
أما مؤيد هذه التقنية، مثل مولالي من شركة «أكسفورد كوانتم سيركيتس»، فيقولون إن الحواسيب الكمومية قد تكون أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة من نظيراتها التقليدية. كما يُبشرون بسلسلة من الإنجازات الكبرى. مع التأكيد بقوة على جدية التقدم الذي تحرزه هذه التكنولوجيا.
