ورغم أن أمريكا لا تزال منتجاً رئيساً للسلع المصنّعة، إلا أنها فقدت الصدارة في مجال التصنيع لصالح الصين عام 2010، ما أثار الكثير من الغضب بين صفوف العمال، الذين لطالما حلموا بالمزيد من إلى خطوط التصنيع والتجميع، لضمان وظائف مستقرة وذات أجور مجزية.
وقد نجحت هذه السياسات لفترة، ولو جزئياً. فبين بداية ولاية ترامب الأولى في يناير 2017 وأكتوبر 2024، تضاعف الإنفاق الخاص على بناء المصانع أربع مرات تقريباً. ارتفع التوظيف في هذا القطاع، ثم تعافى من انخفاضه خلال جائحة كوفيد 19، ليبلغ ذروته عند 12.9 مليون وظيفة في عام 2023.
وقد استوردت الولايات المتحدة سلعاً مصنعة بقيمة 3 تريليونات دولار تقريباً العام الماضي، وتتراوح حصة التصنيع من إجمالي التوظيف الأمريكي حالياً حول 8 %، أي أقل من نصف ما كانت عليه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
والأسوأ من ذلك، أن الاستثمار الفعلي في التصنيع الجديد انخفض بنسبة 16 % منذ بداية ولاية ترامب الثانية في يناير 2025، وبدأ التوظيف في المصانع بالتراجع، على الرغم من أن 84 شركة وعدت باستثمار 900 مليار دولار إضافية في هذا القطاع.
وبعد إنفاق أكثر من 3.5 مليارات دولار على مدى عقد من الزمن، أعلنت شركة جنرال إلكتريك للأجهزة المنزلية العام الماضي، عن خطط لإنفاق 3 مليارات دولار إضافية على مدى خمس سنوات، لنقل إنتاج غسالات الأطباق والغسالات وغيرها من الأجهزة المنزلية - بالإضافة إلى قطع غيارها - إلى الولايات المتحدة من الصين، ومواقع أخرى بعيدة.
يأتي هذا ضمن استراتيجية الشركة «التقريب الجغرافي»، التي تهدف إلى جعل عمليات التصميم والإنتاج أقرب إلى عملائها.
ويُتيح ذلك ابتكاراً أسرع، ويُقلل تكاليف الشحن، ويُساعد في الحفاظ على هوامش ربح الشركة الضئيلة أصلاً، من خلال تجنب الرسوم الجمركية.
كما عبّر عن الشعور بالإحباط لأن معدات التكييف والبناء حصلت على إعفاءات جمركية في محاولة لتحفيز سوق الإسكان، بينما لم يحصل مصنّعو الأجهزة المنزلية على ذلك.
ويقول: «نحاول فعل الصواب، لكننا لم نكن نعلم أن السعر سيرتفع مليون دولار. الوضع الحالي عقابي، ولم يتبقَ لدينا أموال لإعادة الاستثمار».
وعلى سبيل المثال، فإنه عندما بدأت مجموعة باناسونيك اليابانية بإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية بالقرب من رينو، بولاية نيفادا، عام 2017، عانت الشركة من معدل دوران سنوي للعمالة تجاوز 100 % في سنواتها الأولى.
وعندما حان الوقت لبدء بناء مصنع بطاريات ثانٍ، توجهت الشركة إلى دي سوتو، بولاية كانساس، حيث كان السياسيون المحليون والكليات القريبة، وافقت على المساعدة في تدريب قوة عاملة متحمسة، لكن ميغان ميونغ وون لي الرئيسة التنفيذية لأعمال الشركة في أمريكا الشمالية، تقول: «لقد تعلمنا من التجربة المريرة أنه يجب أن نكون دقيقين ومخططين استراتيجيين للغاية في بناء العمليات منذ البداية، حتى قبل بناء المبنى».
ويقول كوري كانتينغا رئيس قسم الاقتصاد في الأمريكتين في لينكدإن: «يمكننا أن نقول إن قطاع التصنيع يتراجع منذ 30 عاماً، خاصة أنه لا أحد يرغب في العمل في صناعات يراها تحتضر».
