الاقتصاديون بحاجة إلى رؤية عميقة موحدة لقضية العمالة المهاجرة

سارة أوكونور

هل يتسبب دخول العمالة المهاجرة في تقليص أجور القوى العاملة المحلية أم لا؟ على مدار سنوات، أكد خبراء الاقتصاد التقليديون أن القلق من تأثير العمالة المهاجرة على تقليص الأجور غير مبرر.

ففي حين يتسبب تدفق العمالة المهاجرة في زيادة المعروض من اليد العاملة، فإنه يعزز أيضاً الطلب على السلع والخدمات، ما يؤدي لتوازن التأثير في نهاية المطاف. ويدعم هذه الرؤية عدد كبير من الدراسات التجريبية التي أظهرت أن الهجرة لها تأثير محدود للغاية، إن وجد، على أجور العمال المحليين.

في الوقت نفسه، يحذر اقتصاديون من أن خطة الرئيس المنتخب دونالد ترامب لترحيل ملايين المهاجرين غير النظاميين ستتسبب في نقص العمالة، وارتفاع التكاليف، وزيادة التضخم في الاقتصاد الأمريكي.

فهل يمكن أن تكون هذه التصريحات السابقة والحالية صحيحة؟ ألا يمثل الاعتقاد بأن الترحيل سيؤدي إلى زيادة التضخم اعترافاً ضمنياً بأن العمال المهاجرين كانوا في الواقع يضغطون على الأجور طوال الوقت؟ إن المواطنين يدركون هذا التناقض الظاهر، وهو ما يدفع كثيرين إلى فقدان الثقة فيما يقوله الاقتصاديون في هذا الصدد. والناس ليسوا أغبياء، لذلك، فقد لاحظوا هذا التناقض الفكري الواضح، وهذا يجعلهم يفقدون الثقة، أو ببساطة، يتجاهلون ما يقوله الاقتصاديون في هذا الموضوع.

من جانبي، لا أرى أن هذه التصريحات متناقضة بالضرورة، وإنما تعكس قصوراً في تحليل الاقتصاديين (مع بعض الاستثناءات) لدور الهجرة في إعادة تشكيل سوق العمل.

فقد ركز معظم الاقتصاديين على دراسة تأثير الهجرة على الأجور ومعدلات التوظيف للعمال المحليين، وهذه، بالتأكيد، رؤية محدودة للغاية. لقد توقفت عند ذلك عندما كنت أكتب عن تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ونهاية حرية التنقل داخلها.

وعلى سبيل المثال، فقد تحدثت مع امرأة تعمل في مصنع أغذية بمدينة شيفيلد، كانت تلاحظ أن نسبة متزايدة من العمال في المصنع يتم تعيينهم من خلال وكالات التوظيف، ومعظمهم من أوروبا الشرقية. وهؤلاء العمال كانت جداولهم تتعرض للتعديل دون إشعار مسبق، ولم يحصلوا على المزايا نفسها التي كانت تحصل عليها.

ورغم أن أجور هذه السيدة وظروف عملها لم تتضرر، إلا أنها كانت ترى أن زملاءها المهاجرين يتعرضون للاستغلال، وأشارت إلى أن القطاع لم يعد مكاناً جاذباً للموظفين الجدد. وبمرور الوقت، تقاعد العمال المحليون، وأصبح القطاع يعتمد بشكل كبير على العمالة المهاجرة.

بيت القصيد هنا هو أن الاقتصادات تتسم بالديناميكية، وأصحاب العمل في بعض القطاعات يستفيدون من توافر العمالة المهاجرة لتغيير أنماط العمل أو التوسع في مجالات لم يكن من الممكن تطويرها لولا وجودهم.

وعلى سبيل المثال، فإن مصانع معالجة اللحوم في بريطانيا انتقلت تدريجياً إلى أنظمة عمل تمتد لـ12 ساعة وفي مواقع بعيدة، لأنها وجدت عمالة مهاجرة مؤقتة لتغطية هذه الوظائف، فيما أن هذه الأنماط لم تكن ملائمة للعمال المحليين المستقرين الذين يفضلون العيش في المدن حيث تتوفر الخدمات.

وكما قال لي رئيس جمعية معالجة اللحوم البريطانية: «علينا أن نكون واقعيين، فأنماط العمل تطورت لتناسب العمالة غير البريطانية». ومن جانبهم، استغل المزارعون البريطانيون توافر العمالة الموسمية من أوروبا الشرقية بعد عام 2004 في زراعة محاصيل تتطلب عمالة مكثفة، كالفواكه اللينة.

ونظراً لأن العمالة المهاجرة أصبحت عنصراً حيوياً في اقتصاد أعاد تشكيل نفسه بناء على وجودهم، فإن مغادرتهم المفاجئة أو ترحيلهم قد يؤدي إلى أزمات اقتصادية حادة في بعض القطاعات على المدى القريب.

ويزعجني أصحاب العمل عندما يلمحون إلى أن العمال المحليين «غير مؤهلين» أو «كسالى» لتولي هذه الوظائف، لكنهم على صواب بأن جذب غير المهاجرين للعمل في هذه القطاعات أمر صعب، ذلك لأن الوظائف غالباً ما تكون شاقة للغاية، والعمال المحليون، بحكم إتقانهم اللغة، لديهم خيارات عمل أفضل.

ومن الممكن أن يؤدي رفع الأجور وتحسين ظروف العمل إلى جذب العمال المحليين، غير أن العديد من القطاعات تعمل بهوامش ربح ضيقة وتبيع منتجاتها لمتاجر التجزئة التي تضغط لتخفيض الأسعار. وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لم تحقق فكرة رفع الأجور وجذب العمالة البريطانية النتائج المرجوة.

وهكذا، فإنه إذا نفذ ترامب خطته لترحيل المهاجرين، فمن المرجح أن ترتفع أسعار المنتجات الأمريكية مثل الخضروات والحليب، سواء بسبب زيادة الأجور أو نقص الإنتاج. وقد يدفع ارتفاع الأسعار إلى استبدال بعض السلع المنتجة محليا بالواردات. ربما يكون هذا الخيار مقبولاً لدى ناخبي ترامب، لكن أياً من الطرفين لم يقدم شرحاً كافياً لهذه التداعيات.