مايكل أكتون
بعد عامين فقط من تمرير الكونغرس لقانون «الرقائق والعلوم» لتنشيط صناعة أشباه الموصلات في الولايات المتحدة، تواجه الشركات الأجنبية التي استثمرت مليارات الدولارات في هذا القطاع مستقبلاً غامضاً، فمع اقتراب عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تصاعدت المخاوف بشأن قدرة الولايات المتحدة على تحقيق هدفها في أن تصبح الوجهة الأولى عالمياً في صناعة الرقائق، وتقليل اعتمادها على المصانع الآسيوية.
وتفاقمت هذه المخاوف عندما وصف ترامب، في مقابلة له، قانون «الرقائق» الذي يتضمن دعماً بقيمة 39 مليار دولار وتخفيضات ضريبية بأنه «سيئ للغاية»، وذلك رغم أنه كان قد حظي بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في عام 2022. ومع تأخر وزارة التجارة في الموافقة على الطلبات، يتساءل قادة الشركات عن مصير المشاريع القائمة قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض الشهر المقبل.
ويعد قانون «الرقائق» وما يقدمه من حوافز مالية كبيرة للشركات الأجنبية استثناءً نادراً في سياسة التصنيع الأمريكية، وأبرز بقوة الأهمية التي أولتها إدارة بايدن لإعادة سلاسل الإمداد الحيوية إلى الولايات المتحدة، إذ كان الهدف الرئيسي من هذا القانون هو الحد من تقدم الصين في تطوير تقنياتها وقدراتها العسكرية.
ويقول كريس ميلر، الأستاذ في جامعة تافتس: «من الصعب العثور على سياسات صناعية أخرى تقدم مليارات الدولارات كحوافز للشركات الأجنبية».
وكشفت دراسة لمعهد بيترسون أن الإنفاق على بناء منشآت تصنيع الحواسيب والإلكترونيات في الولايات المتحدة شهد زيادة كبيرة في العامين الأخيرين. ومن المتوقع أن يتجاوز حجم الإنشاءات في هذا القطاع بنهاية 2024 ما تم إنجازه خلال العقدين الماضيين.
وترافق ذلك مع طفرة في سوق الأسهم لشركات تصميم الرقائق المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، مثل «نفيديا» و«آرم» المدرجتين في الأسواق الأمريكية، لكن إعادة بناء قطاع التصنيع في الولايات المتحدة يعتمد على مشاركة شركات مثل شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات، أكبر شركة لصناعة الرقائق في العالم، ومنافستها الكورية الجنوبية سامسونج.
ووفقاً لمارتن شورزيمبا، مؤلف دراسة معهد بيترسون، فإن هاتين الشركتين لا تجلبان فقط رؤوس أموال، بل أيضاً خبرة تقنية لا غنى عنها في مجال يعد من أكثر الصناعات تعقيداً.
وحذر شورزيمبا من العواقب المحتملة لإلغاء البرنامج قائلاً: «إذا قررت الحكومة الأمريكية التخلي عن هذه البرامج التحفيزية، فسيكون من الصعب جداً عليها جذب الاستثمارات إلى الولايات المتحدة مستقبلاً».
وأضاف أن منتقدي قانون «الرقائق» قد يستغلون جوانب أخرى منه لدعم حجتهم بإلغائه، موضحاً أن الائتمان الضريبي بنسبة 25% للشركات التي تبني مصانع أشباه الموصلات قد يتجاوز في النهاية قيمة الحزمة الفيدرالية البالغة 39 مليار دولار. وهذا الدعم الضخم من أموال دافعي الضرائب «قد يصبح قضية سياسية مثيرة للجدل مع مرور الوقت».
وتعد شركات مثل «تايوان لصناعة أشباه الموصلات»، و«غلوبال ويفرز»، و«سامسونج»، وشركة «إس كيه هاينكس» الكوريتين من أبرز المستفيدين، حيث من المتوقع أن تحصل مجتمعة على نحو 14 مليار دولار من المنح، وهي نسبة كبيرة من إجمالي حزمة الدعم.
وفي نوفمبر، أبرمت شركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» أول صفقة كبرى تضمنت منحاً بقيمة 6.6 مليارات دولار، وما يصل إلى 5 مليارات دولار كقروض حكومية. في المقابل، تعهدت الشركة باستثمار 65 مليار دولار لبناء ثلاثة مصانع في ولاية أريزونا، أحدها سيبدأ الإنتاج الكامل في 2025.
ولا تزال معظم المنح المؤقتة التي أعلن عنها خلال العام الماضي غير معتمدة بالكامل، مما يجعلها عرضة للتدخل المبكر من قبل إدارة ترامب.
ومنذ تمرير القانون، شكلت وزارة التجارة الأمريكية فريقاً يضم حوالي 200 موظف في مكتب برنامج «الرقائق»، بقيادة تود فيشر، المسؤول عن مكتب الاستثمار، الذي كان يعمل في السابق مع مجموعة الأسهم الخاصة «كيه كيه آر».
لكن بعض مسؤولي القطاع أعربوا عن استيائهم من تعقيد الإجراءات، مشيرين إلى أن العملية تبدو وكأنها صفقات شركات معقدة تتطلب إعداد مئات الصفحات من الوثائق القانونية.
وتشمل التحديات البيروقراطية مراجعات بيئية وفق تقييمات قانون السياسة البيئية الوطنية ومتطلبات العمالة النقابية والمواد المحلية، بالإضافة إلى ضمانات تتعلق برعاية صحة الموظفين وأطفالهم.
وقال ميلر: «هل كان قرار فرض عمالة نقابية مكلفة في مشروعات البناء قراراً صائباً؟ ربما لا»، مضيفاً إن شركة «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» واجهت تحديات كبيرة في أريزونا استدعت التوصل إلى تسوية نقابية بشأن تشغيل العمالة الأجنبية.
ويأمل المسؤولون التنفيذيون أن يكون هناك وقت كافٍ قبل تولي ترامب مهام منصبه في 20 يناير المقبل للحصول على مزيد من الموافقات على المشاريع. وقال مصدر مطلع على المناقشات: «بمجرد أن تصبح هذه العقود موقعة [بدلاً من مجرد اتفاقيات مؤقتة غير ملزمة]، سيكون من الصعب جداً على الإدارة المقبلة التراجع عنها».
كذلك، تواجه الشركات الأجنبية التي تستثمر في الولايات المتحدة تحديات صعبة أخرى، حيث يقول بن أرمسترونغ، المدير التنفيذي لمركز الأداء الصناعي في «معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا»: «المنافسة في سوق عمل مرتفع الأجور تتطلب أن تكون أكثر إنتاجية بكثير من كوريا وتايوان».
ويحذر أرمسترونغ من أن تحقيق الفوائد الحقيقية من مبادرة بايدن قد يستغرق وقتاً طويلاً، مضيفاً: «يمكننا القول إن طفرة الرقائق لم تبدأ بعد»، وشددا على أن «النمو الحقيقي الذي قد ينتج عنها لن يتحقق إلا بعد سنوات عدة».
لكن من الواضح أن عودة دونالد ترامب تهدد واحدة من أكبر المبادرات الصناعية في الولايات المتحدة منذ عقود، مما يضع مستقبل هذه الجهود وفرص استمرار الطفرة الأولية التي حققتها على المحك.
