سندات الخزانة الأمريكية تواجه خطر الاختناق المالي

جون بليندر
علّمت الحرب في الشرق الأوسط العالم دروساً في استخدام الممرات البحرية لأغراض جيوسياسية في ظل ما يحدث في مضيق هرمز.

وبموازاة ذلك، يتساءل الآن عدد من المحللين حول وجود نقاط اختناق مالية مماثلة - أو بؤر توتر - قد تؤدي إلى اضطرابات سوقية ذات دوافع جيوسياسية.

ويعد أحد المجالات المثيرة لاهتمام متزايد العلاقة بين الدائنين والمدينين العالميين، وتحديداً الاختلالات المالية بين أصحاب المدخرات الفائضة في العالم وأكبر مدين له، الولايات المتحدة.

ولطالما كانت الولايات المتحدة الملاذ الأول والأخير للاقتراض في العالم. وكان مديرو احتياطيات البنوك المركزية أكبر المطالبين بأصولها. وللعلم، فإن ثاني أكبر دائن للحكومة الأمريكية، بعد اليابان، هو الصين، وهي الأكثر حساسية من الناحية الجيوسياسية، إذ تمتلك الصين، مع هونغ كونغ، ما لا يقل عن 930.5 مليار دولار من سندات الخزانة.

ويدور الآن نقاش حول كيفية اعتبار هذا الأمر نقطة اختناق، فمن الواضح أن الولايات المتحدة قادرة على إيجاد سبل للتخلف عن سداد ديونها للصين، إلا أن نقطة الاختناق تكمن في الاعتماد المشترك، ما يجعل هذا التشبيه غير دقيق تماماً.

وقد دافع مسؤولون صينيون بين الحين والآخر عن استخدام النفوذ المالي لمعاقبة الولايات المتحدة على بيعها الأسلحة لتايوان.

ومع ذلك، تدرك قيادة الحزب الشيوعي أيضاً أن استخدام احتياطيات الصين من الدولار كسلاح سيؤدي إلى انهيار الدولار وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، ما سيدمر في النهاية قيمة استثماراتهم الدولارية.

كما أنه ليس من الواضح مدى فعالية هذا السلاح، فبينما كانت الصين تعزز حصتها في سوق سندات الخزانة، أفادت تقارير أن مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية يرون أن استخدام سندات الخزانة كأداة للضغط سيكون له تأثير محدود نظراً لحجم سوق سندات الخزانة وسيولته الهائلة.

ومن التطورات الجديدة أن مديري احتياطيات البنوك المركزية فقدوا رغبتهم في شراء سندات الخزانة.

ويعكس هذا المخاوف المتزايدة بشأن استدامة الدين، واستخدام الدولار كسلاح عبر العقوبات المالية، والتهديدات التي تواجه استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وتآكل الضوابط واختلال التوازنات السياسية في عهد دونالد ترامب.

ومن المهم في هذا السياق عند التوقف عند نقطة أن الذهب قد حل محل سندات الخزانة الأمريكية كأهم أصول الاحتياط في العالم، وفقاً لتقرير جديد صادر عن البنك المركزي الأوروبي.

وتستحوذ المؤسسات الخاصة غير المصرفية، التي تتسم بتقلباتها، وعلى رأسها صناديق التحوط ذات الرافعة المالية العالية، على إصدارات سندات الخزانة أكثر مما لدى البنوك المركزية.

ووفقاً لمارسيلو إستيفاو وجوناثان فورتون من معهد التمويل الدولي، فإن هؤلاء المشترين أكثر ميلاً لسرعة رد الفعل تجاه أسعار الفائدة وتكاليف التحوط ومؤشرات الأداء الرئيسية ومستوى تقبل المخاطر.

في الوقت نفسه، يتزايد اعتماد تمويل سندات الخزانة على الأوراق المالية قصيرة الأجل، ما يعني مخاطر متجددة باستمرار.

ومع اقتراب الدين العام الأمريكي من أعلى مستوياته على الإطلاق، يبدو هذا المزيج وكأنه تعريف دقيق لنقطة اختناق مالية غير جيوسياسية، تتسم بالهشاشة أمام الصدمات. كما يشير إلى وجود مخاطر نظامية في سوق سندات الخزانة.

وربما يكون تشبيه نقطة الاختناق أكثر ملاءمة فيما يتعلق بالاعتمادات المالية الحرجة الناجمة عن الهيمنة الأمريكية المطلقة على الخدمات المالية العالمية، بما في ذلك أنظمة الدفع والخدمات المصرفية الاستثمارية والإقراض بالدولار.

في ورقة بحثية نشرت في مجلة التمويل والتنمية التابعة لصندوق النقد الدولي، يذكرنا كريستوفر كلايتون، وماتيو ماجيوري، وجيسي شريجر بأن الولايات المتحدة استخدمت نفوذها الجيوسياسي لفرض عقوبات مالية شاملة على إيران وروسيا.

لكنهم يشيرون أيضاً إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الإفراط في استخدام هذا النفوذ يؤدي إلى نتائج عكسية، لأنه يدفع الدول إلى البحث عن بدائل.

وتجدر الإشارة إلى أن نقاط الاختناق المالية الجيوسياسية قد تشكل تهديداً أقل خطورة على الاقتصاد العالمي من نقاط الضعف النظامية الداخلية.

ومن هذه النقاط، إطار السياسة النقدية القائم على استهداف التضخم. في كتابين صدرا أخيراً، يرى مانوج برادان وتشارلز جودهارت بأن التوجهات الديموغرافية الشاملة، وليست استهداف التضخم، هي التي دفعت إلى انخفاض التضخم خلال العقود الثلاثة الماضية.

وتشمل هذه التوجهات دخول جيل طفرة المواليد بعد الحرب إلى سوق العمل، وارتفاع مشاركة المرأة، ونقل الإنتاج إلى الدول ذات الأجور المنخفضة.

وقد أسفر ذلك عن ضغط نزولي على أجور الدول المتقدمة ومعدلات التضخم فيها. لكن هذا الوضع يتجه الآن نحو الانعكاس مع ازدياد نسبة السكان الذين يصلون إلى سن التقاعد، واستقرار معدل مشاركة المرأة في بعض البلدان، وتزايد العولمة في مجال التقاعد.

ستكون تكاليف الرعاية الصحية لكبار السن باهظة ما لم يقد الذكاء الاصطناعي إلى حدوث معجزة في هذا المجال.

ويؤكد برادان وجودهارت أن مكافحة التضخم المستعصي في الاقتصادات التي تواجه مخاوف بشأن استدامة ديونها تعد عملية محفوفة بالمخاطر، ولا سيما مخاطر الأزمات المالية.

وقد تعجز البنوك المركزية عن التوفيق بين أهدافها المتعلقة باستهداف التضخم وتحقيق الاستقرار المالي.

ففي سبيل تمويل جزء كبير من الأعباء المالية وإنقاذ الأسواق، يمكن أن تضطر إلى تسييل الديون، ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية ومعدلات التضخم بشكل كبير. وباختصار، تعد هذه معضلة حقيقية.

وينطبق هذا الكلام بصفة خاصة على الحكومة الأمريكية المثقلة بالديون. وإذا كان برادان وجودهارت على حق، فإن الولايات المتحدة ستصبح مصدراً لأصول آمنة أقل فأقل للعالم.