روبرت أرمسترونغ
تهيمن طفرة مراكز البيانات على جميع النقاشات المتعلقة بالاقتصاد الأمريكي. هذه الطفرة تدفع سوق الأسهم بقوةٍ لا تقهر، وترفع الطلب على الكهرباء، وتبقي الشركات التي تصنع كل شيء من المولدات إلى أنظمة التبريد تعمل بكامل طاقتها.
ساهم الاستثمار في أجهزة الحاسوب بنسبة 0.9 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي السنوي في الربع الأول، في وقت بلغ فيه إجمالي النمو 1.6%.
لذلك، من المهم للغاية ألا ننخدع بقطاع واحد مزدهر. فهناك اقتصاد أمريكي آخر يبدو مختلفاً تماماً: يركز على الاستهلاك لا الاستثمار؛ ويتسم بمنافسة شرسة؛ ويكافح لجذب انتباه المستثمرين، ويكاد لا ينمو.
للحصول على نظرة ثاقبة على هذا الاقتصاد الآخر، لننظر جيداً إلى صناعة السلع الاستهلاكية المعبأة. الشركات في هذه الصناعة تبيع سلعاً نحتاجها جميعاً، من المنظفات إلى الحبوب، تحت علامات تجارية قوية وبأساليب تسويقية متطورة. لكن نموها أقل من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي.
وتظهر بيانات آدم جوزيفسون من شركة «ساكونيت» للأبحاث أن متوسط حجم المبيعات في 15 من أكبر شركات السلع الاستهلاكية الأساسية في الولايات المتحدة – ومنها كوكاكولا، وبروكتر آند غامبل، وهيرشي - كان سلبياً في 13 ربعاً من الأرباع الـ18 الماضية.
وباحتساب الأرباح الموزعة، حقق قطاعا المنتجات المنزلية والمنتجات الغذائية في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عائداً بنسبة 2% و- 6% على التوالي خلال السنوات الخمس الماضية. فما المشكلة إذن؟
إنها قائمة طويلة من المشكلات؟ إن المستهلكين من ذوي الدخل المتوسط والمنخفض يتعرضون لضغوط متزايدة. وقد تم تضخيم فكرة أن الاقتصاد الأمريكي على شكل حرف «كيه» حيث يزدهر الأثرياء والشركات التي تخدمهم بينما يتراجع باقي السكان. لكن نمو الأجور الحقيقية تحول أخيراً إلى السالب، والاستهلاك، رغم استمراره في النمو، يشهد تباطؤاً منذ بداية العام.
ولا تقتصر الضغوط على شركات السلع الاستهلاكية فقط: ففي صناعة السيارات، على سبيل المثال، تتحرك مبيعات الوحدات بشكل عرضي عند حوالي 16 مليون وحدة سنوياً، وهو أقل بكثير من مستوى ما قبل الجائحة.
وتتفاقم المشكلات مع عدم نمو عدد سكان أمريكا بعد الهجرة، وانخفاض الطلب على الوجبات الخفيفة نتيجة انتشار أدوية GLP-1 لإنقاص الوزن. علاوة على ذلك، رفعت صناعة السلع الاستهلاكية المعبأة الأسعار بشكل حاد خلال موجة التضخم في 2021 - 2022، لتصل إلى آخر مستويات تحمل المستهلكين أو تجاوزتها.
لكن صعود العلامات التجارية البديلة هو ما يلحق الضرر الأكبر، فقد سهلت التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي دخول الكثير من العلامات التجارية المنافسة. واندمج جزء كبير من قطاع التجزئة خلف شركات عملاقة مثل وول مارت وكوستكو.
ويرى نيكولاس ويليموت، رئيس قسم المنتجات الاستهلاكية في شركة «بين» أن الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة ينمو، لكن العلامات التجارية الخاصة بالمتاجر والمنافسة تستحوذ على 70% من هذا النمو.
لذا، يتعين على كبرى شركات السلع الاستهلاكية المعبأة بذل المزيد من الجهد لتوفير ما يريده المستهلكون بالسعر المناسب. لكن معظم اهتمام هذه الشركات في السنوات الأخيرة انصب على خفض التكاليف والاندماج.
قاد صندوق الاستثمار المباشر الأمريكي البرازيلي «3 جي كابيتال» التوجه نحو خفض التكاليف بشكل حاد. وقاد استثمارات ناجحة في البداية في شركات مثل «كرافت هاينز» و«ايه بي إنبيف» حتى أن وارن بافيت انجذب إلى هذا التوجه، فدخل في شراكة مع «3 جي كابيتال» في صفقة «كرافت هاينز»، إلا أن ضعف النمو وأداء الأسهم لاحقاً أقنع القطاع بمحدودية هذا النهج.
وبالمثل، أبدى المستثمرون شكوكهم حيال الاندماجات، ما أدى إلى انخفاض أسهم «كمبرلي - كلارك» بعد إعلانها عن خطط لشراء شركة «كينفيو» المنبثقة عن «جونسون آند جونسون» العام الماضي، وتكرر الأمر نفسه مع شركة «ماكورميك» عندما أعلنت عن صفقة لشراء قطاع الأغذية التابع لشركة «يونيليفر» في مارس. وهكذا، فإن الهيكل المالي ليس مشكلة قطاع السلع الاستهلاكية، ولن يكون هو الحل أيضاً.
إذن، ماذا يخبرنا كل هذا عن الاقتصاد «الآخر»؟ من الجانب الإيجابي، يحظى المستهلك بخدمة جيدة. يشهد قطاع السلع الاستهلاكية، وقطاع التجزئة المجاور له، منافسة شرسة على صعيد الأسعار والابتكار، إلا أن آمال المستثمرين والشركات في أن تكون الهندسة المالية وإعادة الهيكلة سبيلاً لإنعاش الصناعة قد تبددت. بات تحقيق النمو في كل مكان أمراً صعباً، فالاقتصاد هنا ليس لعبة محصلتها صفر، ولكنه أقرب إلى ذلك مما كان عليه قبل بضع سنوات.
ويعمل جزء كبير من الأمريكيين في قطاعات أقرب إلى السلع الاستهلاكية منها إلى التكنولوجيا. وهذا يفسر الكثير من التناقضات الظاهرة في الاقتصاد الأمريكي: بين انخفاض معدل التوظيف وتراجع ثقة المستهلك، وبين نمو الناتج المحلي الإجمالي للشركات ونتائج استطلاعات القطاعات.
تتسع الفجوة بين اقتصاد التكنولوجيا المزدهر القائم على الاستثمار، واقتصاد «القطاعات الأخرى» التنافسي القائم على الاستهلاك. لذا، لا بد لنا أن نراقب كلا القطاعين عن كثب.