ركيزة ضيقة للاقتصاد ودورة الأرباح وسردية الأسواق الأمريكية

كريس واتلينغ

لا تكمن معضلة الاقتصاد الأمريكي في مجرد تباطؤ النمو خلال الربعين الماضيين، بل في أن المؤشرات الرئيسية لصحته لم تعد متوافقة بشكل جيد، فقد حافظ الإنفاق الاستهلاكي على مستواه، وبلغت أرباح الشركات مستويات قياسية، ولا تزال الأسهم تحظى بتقييمات مرتفعة.

ومع ذلك، فقد تباطأ نمو الدخل الحقيقي. كما كان خلق فرص العمل ضعيفاً بشكل غير معتاد بالنسبة لاقتصاد يُفترض أنه لا يزال ينمو بقوة.

وهذه التركيبات ليست مستحيلة، لكنها غير معتادة بما يكفي لتشير إلى أن الدورة الظاهرة أقل اتساعاً وأكثر ضيقاً مما توحي به الأرقام الرئيسية.

والتفسير الأكثر وضوحاً هو التركز، فقد تركزت المكاسب في الأرباح وهوامش الربح والإنفاق الرأسمالي والقيمة السوقية في منظومة ضيقة للذكاء الاصطناعي:

شركات تصنيع الرقائق، ومزودي خدمات الحوسبة السحابية العملاقة، ومشغلي مراكز البيانات، ومجموعات البنية التحتية المحيطة بهم. أما خارج هذه الدائرة، فتبدو الصورة أقل إقناعاً بكثير.

وفي الواقع، لم تحقق قطاعات واسعة من الشركات الأمريكية سوى نمو متواضع للأرباح، أو ضغوط على هوامش الربح، أو حتى أداء راكد. وبذلك، يهيمن على أداء السوق أداء أقلية استثنائية، وليس أداء الأغلبية المتوسطة. وقد أدى ذلك إلى إظهار الاقتصاد بمظهر أقوى، وأسواق الأسهم بمظهر أوسع، مما هي عليه في الواقع.

وهذه النقطة بالغة الأهمية، لأن السوق يُقيّم هوامش الربح الإجمالية كما لو كانت واسعة النطاق، وقابلة للتكرار، ومستدامة. وهي ليست كذلك، في واقع الأمر.

وارتفعت حصة أرباح الشركات الأمريكية إلى مستوى قياسي بلغ 13.8 % من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تعافت هوامش صافي الدخل في سوق الأسهم الأمريكية الأوسع نطاقاً إلى حوالي 9.7 %، مقتربة من مستوياتها الأعلى السابقة.

لكن في الوقت نفسه، أصبحت ريادة السوق مركزة بشكل غير عادي: إذ تستحوذ حفنة من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الآن على ما يقرب من 40 % من القيمة السوقية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، وفقاً لبيانات بنك أوف أمريكا.

ويتم تضخيم الربحية المعلنة من خلال شريحة صغيرة من الاقتصاد تحقق عوائد استثنائية، مستفيدة من التنافس المحموم على بناء قدرات الذكاء الاصطناعي. لذلك، قد يدفع المستثمرون مبالغ باهظة مقابل أرباح لا تعكس أداء قطاع الشركات بشكل عام كما يوحي به المؤشر.

بعبارة أخرى، لا يقتصر خطر التقييم على أسهم شركات التكنولوجيا باهظة الثمن، بل يكمن في احتمال أن يكون أداء السوق ككل أقل قوة مما تظهره البيانات الإجمالية.

ويُظهر سوق العمل الوضع نفسه لكن بشكل معكوس. ففي حالات التوسع الاقتصادي الطبيعي، تُحفز الأرباح القوية زيادة التوظيف مع توسيع الشركات لقدراتها الإنتاجية، لكن هذه المرة، فإن العديد من الشركات الأكثر ربحية هي الأقل اعتماداً على العمالة.

وبلغ نمو الرواتب في أبريل 0.43 % فقط مقارنة بالعام السابق، وهو أقل بكثير من المعدل السنوي الذي يتراوح عادة بين 1 و1.5 % والذي يصاحب عادة نمو الاقتصاد الأمريكي.

وقد حققت شركات التكنولوجيا الكبرى إيرادات وهوامش ربح مرتفعة مع نمو محدود في عدد الموظفين. وإذا لم تُوفر القطاعات التي تستحوذ على كل هذه المكاسب فرص عمل كافية، فإن نمو الدخل الإجمالي يضعف ويصبح التوسع الاقتصادي بالتالي أكثر هشاشة.

ويُفسر هذا أيضاً سبب ظهور الاستهلاك أقوى مما توحي به بيانات الدخل، حيث يتزايد الإنفاق القوي من جانب الأسر ذات الدخل المرتفع، التي يرتبط ثراؤها ودخلها بالأسهم أكثر من ارتباطهما بالأجور.

وقد أصبح سوق الأسهم، في الواقع، جزءاً من نموذج النمو هذا: ارتفاع أرباح الذكاء الاصطناعي يرفع أسعار الأسهم؛ والذي يدعم بدوره القدرة الشرائية للأسر الأكثر ثراءً.

وهذا الإنفاق العالي يُسهم في الحفاظ على الطلب القوي. في المقابل، تُعدّ الأسر ذات الدخل المنخفض أكثر عرضة لانخفاض الدخول الحقيقية وضعف زخم سوق العمل.

وفي المرحلة الراهنة، لا يعني هذا الضيق بالضرورة نهاية التوسع. فما دام المستثمرون يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيحقق عوائد عالية جداً على المدى الطويل، يمكن أن تظل هذه الحلقة مكتفية ذاتياً: يبقى الإنفاق الرأسمالي ثابتاً، وتبقى الأسهم مزدهرة، ويستمر المستهلكون ذوو القدرة المالية المرتفعة في الإنفاق.

وهناك انعكاس لهذا الواقع، لأنه كلما زاد تدفق رأس المال إلى هذا المجال، بدت الأرقام الرئيسية أكثر إقناعاً. وهكذا، فإن هذا الهيكل الذي يجعل الولايات المتحدة تبدو مرنة يعتمد بشكل غير اعتيادي على مستويات الثقة.

ويكمن الخطر الكبير في أن الاقتصاد ودورة الأرباح وسردية السوق كلها تستند إلى ركيزة ضيقة واحدة، وإذا تم التشكيك ومن ثم فقدان الثقة في العوائد المتوقعة من البنية التحتية ومنصات الذكاء الاصطناعي.

فقد لا تتوقف التداعيات عند بضعة أسهم تكنولوجية ذات قيمة عالية. بل قد تمتد لتشمل ضعف تأثيرات الثروة، وانخفاض الاستهلاك، وفي نهاية المطاف، إعادة تقييم أوسع نطاقاً لتفوق الولايات المتحدة.

ولا يعني أي من هذا بالضرورة أن الأمور ستنهار غداً، فأمريكا لا تزال تبدو قوية. لكن أسس هذه القوة أضيق بكثير مما يرغب العديد من المستثمرين في الاعتراف به.