مارتن ساندبو
التراخي ليس بالأمر الجيد، لكن استبدال الذعر به أمر أسوأ. ويتزايد خطر تعامل الاتحاد الأوروبي مع الصين بقلق محموم. وبعد أن اعتاد الأوروبيون تجاهل المخاوف الأمريكية من التهديدات الجيوسياسية التي تشكلها الصين، فإنهم الآن يرددون مخاوف أمريكية مُبالَغ فيها من تهديدات اقتصادية غير موجودة فعلياً.
وأصبح الحديث عن «الصدمة الصينية 2.0»، أمراً شائعاً في أوساط السياسة الأوروبية. ويحمل هذا المصطلح دلالات سلبية: فهو يشير إلى الكيفية التي أدت بها الواردات الصينية إلى تدمير ملايين الوظائف في المصانع الأمريكية، بينما يقول الواقع إن العديد من هذه الوظائف تم فقدانها بسبب الأتمتة.
في غضون ذلك، تركز فرنسا، خلال رئاستها مجموعة السبع، على «اختلالات» الاقتصاد الكلي العالمي، في محاولة واضحة لإيجاد أرضية مشتركة مع الولايات المتحدة ضد الصادرات الصينية المزدهرة.
وينبغي أن نشكك في هذه الحجج. كما ينبغي أن نتساءل: ما المشكلة تحديداً في الفوائض الصينية؟ وعلى المدى القصير، قد يكون السبب نظرياً، هو عدم كفاية الطلب الكلي العالمي. لكن في ظل استعداد البنوك المركزية لصدمات تضخمية، يبدو غريباً الاعتقاد بأن ضعف الطلب هو المشكلة.
ويمثل الفائض التجاري الصيني، الذي يُعدّ أيضاً تصديراً صافياً للمدخرات، فرصةً للدول الأخرى لتمويل استثمارات أكبر، دون إرهاق اقتصاداتها المحلية. وقد أغفل الاتحاد الأوروبي، وهو مُصدِّر صافٍ كبير، هذه الفرصة.
وماذا عن «الطاقة الإنتاجية الفائضة» الصينية؟ بعيداً عن اتهام الصين بعيوبها، فإن التهديد المزعوم للصناعة الأوروبية مُبالَغ فيه. ولنأخذ السيارات كمثال.
فقد زادت الواردات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بالفعل، من 750 ألف سيارة ركاب في عام 2023، إلى ما يزيد قليلاً على مليون سيارة في عام 2025، وفقاً لهيئة تجارة الشركات المصنعة. لكن ذلك أدى إلى إزاحة الواردات من أماكن أخرى، إذ ظل إجمالي عدد السيارات المُصدَّرة إلى الاتحاد الأوروبي ثابتاً.
والتطور الأكبر، والذي نادراً ما يُذكر، هو أن الألمان يشترون سيارات أقل بكثير من ذي قبل، حيث انخفض عدد السيارات المشتراة من ألمانيا إلى 750 ألف سيارة في عام 2025، مقارنةً بعام 2019. وبالتالي، فإن ترشيد ألمانيا لاستهلاك السيارات، يُشكّل ضربةً لصناعة السيارات الألمانية أكبر من الصين. وبإضافة باقي دول الاتحاد الأوروبي، تكون مبيعات السيارات قد انخفضت بمقدار 1.5 مليون سيارة أخرى.
وهكذا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الصناعة الأوروبية، يكمن في غياب طلب محلي قوي ومستقر. وهذا ما يستطيع قادة الاتحاد الأوروبي العمل عليه، لا سيما من خلال مضاعفة الجهود التي تبذلها المفوضية الأوروبية بالفعل، لكن بتردد.
وتشمل هذه الجهود: تطبيق قواعد «الشراء الأوروبي» للطلب المدعوم والمشتريات العامة، وفرض متطلبات البصمة الكربونية ورسوم الكربون على الحدود، لتشمل السلع المصنعة كالسيارات.
وتحديد تعريفات جمركية دقيقة في حالات محددة من المبيعات المدعومة بأقل من التكلفة، ووضع جداول زمنية صارمة للتحول إلى التقنيات الخضراء، كالسيارات الكهربائية.
ومن خلال تطبيق هذه الإجراءات، سيستفيد الاتحاد الأوروبي من زيادة المنافسة من الواردات الصينية، عبر تحفيز تحسين الإنتاجية محلياً بوتيرة أسرع. وهذا في صالح الصناعة الأوروبية - حتى وإن لم يكن في صالح جميع الشركات. كما أنه في صالح المستهلكين.
والمفارقة هنا أن جماعات الضغط الصناعية تقاوم معظم السياسات التي من شأنها أن تساعد في تحسين الأمور. وهكذا، يتجه الاتحاد الأوروبي نحو ممارسات غير منطقية، مثل «تعهدات الأسعار» - التي تجبر الموردين الصينيين على رفع أسعارهم، وإمكانية زيادة هوامش أرباحهم، ووضع سياسات حمائية تحدّ من ابتكار الصناعة المحلية.
ومن المفارقات الأخرى أن الذعر من «التهديدات التنافسية»، يصرف الانتباه عن المخاطر الجيواقتصادية الحقيقية، وأخطرها احتمال وجود برامج تجسس في بعض السلع الصينية الصنع. فالبيانات التي تلتقطها كاميرات السيارات الصينية، قد تُمكّن بكين من رسم خرائط للبنية التحتية، ونقاط الضعف العسكرية، أو حتى اكتساب قدرة على المراقبة الجماعية في الوقت الفعلي.
هناك درسٌ يمكن تعلمه من الولايات المتحدة، التي حظرت العديد من السلع المرتبطة الصينية. والخيار الأفضل لأوروبا، هو السماح بدخول هذه السلع شريطة أن تكون برامج وأجهزة الاتصال ذات الصلة مصنّعة في أوروبا، بأيدي أوروبيين - ما يخلق سوقاً مستقرة للشركات المحلية.
كذلك، يعد الاعتماد على الصين في المواد الخام والمكونات الأساسية مشكلة أخرى. ولا يوجد حل سريع لهذه المشكلة سوى الانخراط الفوري في تخزين هذه المواد حيثما أمكن، وعلى المدى البعيد، إلزام القطاع الخاص بتنويع الموردين، وتحفيز الإمدادات المحلية. الاتحاد الأوروبي يتحرك بالفعل في هذا الاتجاه، لكن ببطء شديد.
والآن، بعد أن بالغت أوروبا في تقدير أحجام المبيعات الصينية، واعتبرتها تهديداً، بات لدى بكين كل الأسباب لتعزيز نفوذها الجيواقتصادي على أوروبا، جزئياً كرد فعل، وجزئياً لامتلاك خيارات ردع إضافية في المستقبل.
ولو رحّب الاتحاد الأوروبي بالبضائع الصينية، لكانت قدرته أقوى على إجبار بكين على التراجع عن سياساتها العدائية الحقيقية. ولذلك، فإن زيادة السيارات والابتعاد عن برامج التجسس، سيكونان مبدأً سليماً.