طرح «سبيس إكس».. وضرورة الحذر من انتكاسة قوية للمستثمرين الأفراد

كاتي مارتن
صاغ الناقد كوري دوكتورو في عام 2023 مصطلح «التدهور التقني» ليصف العملية التي تبدأ فيها العديد من المنتجات التقنية كمنتجات ممتعة ومثيرة ومحسّنة للحياة، ثم تصبح مفيدة، ومن ثم ضرورية ولا غنى عنها، لكن مع مرور الوقت، تتدهور جودة هذه المنتجات مع تغليب الطموحات الاستغلالية للمليارديرات على مصالح عامة الناس الذين صُممت هذه المنتجات لخدمتهم، مما يؤدي في النهاية إلى نتائج كارثية.

وإذا لم نتوخَّ جميعاً الحذر، فسوف نشهد هذه العملية تستشري في القطاع المالي هو الآخر. ومثلما يحدث في مجالات التكنولوجيا الموجهة للمستهلك، فإن إيلون ماسك متورط في انتقال هذه العدوى إلى المجال المالي أيضاً.

وإيلون ماسك، المعروف بتقلباته المزاجية، هو كما نعلم الرجل الذي اشترى «تويتر» عن طريق الصدفة وغير اسمه إلى «إكس». ومنذ ذلك الحين، تحولت شبكة التواصل الاجتماعي، التي كانت ممتعة، إلى مستنقعٍ مُلوث للإنترنت، يعجّ بالمتصيدين والمتعصبين وأصحاب نظريات المؤامرة والدعاية المُضللة.

لكن يجب ألا ننسى أيضاً أن ماسك هو نفسه الرجل الذي يقف وراء نجاح شركة تسلا لصناعة السيارات، وشركة سبيس إكس، التي تجمع بين الذكاء الاصطناعي والصواريخ والأقمار الصناعية، والتي قدمت وثائق إلى الجهات التنظيمية توضح نيتها الإدراج في أسواق الأسهم العامة و«نشر الوعي إلى النجوم». وتقول الشركة إن حجم سوقها المستهدف يبلغ 28.5 تريليون دولار، أي ما يعادل أكثر من خُمس الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وتوضح الوثائق، المليئة بصور الصواريخ ورسومات تخيلية للحياة البشرية على المريخ، أن البشر كانوا حتى الآن معتمدين بدرجة مفرطة على الأرض. وتؤكد الدلائل على ضرورة النظر إلى ما هو أبعد من هذا «الجرم السماوي الواحد»، لأننا «لا نريد أن يلقى البشر مصير الديناصورات».

لكن الكثير هنا يستحق المزيد من التوضيح. ويمكن أن تكون هناك بالفعل فرصة استثمارية مربحة للغاية من دمج شبكات اتصالات حساسة ظاهرياً، وذكاء اصطناعي غير مكتمل، ومستعمرات بشرية على المريخ. وربما يمثل ذلك فرصة استثمارية هائلة لتعزيز ثروات المستثمرين في جميع أنحاء العالم. وأكد لي بعض المستثمرين المحترفين الجادين أنهم يؤمنون بهذا الطرح ويعتزمون شراء أسهم الشركة عند إدراجها في البورصة، في رهان على نجاح هذا المشروع الطموح، تماماً مثلما قفزت أسهم تسلا بنحو 2800% خلال العقد الماضي.

ويرى ماسك أن قيمة سبيس إكس تستحق مبلغ الـ 1.75 تريليون دولار، وهو رقم يتحدى قوانين الجاذبية، وسيجعلها هذا سابع أكبر شركة في الولايات المتحدة، رغم أن إيراداتها يجب أن تضعها في المرتبة 200 تقريباً في الولايات المتحدة، أي على قدم المساواة تقريباً مع شركة جنرال ميلز، منتجة حبوب الإفطار «لاكي تشارمز».

وسواء كنت تؤمن بمشروع ماسك وتقييمه أم لا، فهذا غير مهم، لأنه إذا كان لديك معاش تقاعدي أو مدخرات أو استثمارات في أي مكان، فمن المرجح أن تسعى لامتلاك حصة صغيرة بهذا المشروع، وذلك لأن أسهم شركة سبيس إكس تبدو مُهيأة للانضمام سريعاً إلى المؤشرات الكبرى، التي تشكل أساس الاستثمار السلبي، وهي ظاهرة بدأت قبل نحو خمسين عاماً كأداة لتحسين جودة الحياة، ثم أصبحت مفيدة، ثم ضرورية، ثم حتمية.

ومن المعروف أن اختيار الأسهم الفردية للشراء أمر صعب للغاية، وقد أمضى المستشارون عقوداً ينصحون المستثمرين بأن أفضل طريقة للاستثمار في الأسواق هي شراء محفظة مؤشرات متنوعة ومنخفضة التكلفة والتمتع براحة البال. وقد أسهمت هذه القوة التحويلية في إتاحة الأسواق المالية أمام الجميع، ووفرت تدفقاً كبيراً من أموال المستثمرين للشركات المحظوظة التي تم إدراجها.

في الماضي، كان من الصعب على شركة مثل سبيس إكس الحصول على مكانة مرموقة في مؤشر ما، والاستفادة من هذا التدفق بسرعة. لا تنضم أي شركة عادةً إلى مؤشر بسرعة، بل تُترك عادة لتكتسب الخبرة في الأسواق العامة لفترة من الوقت أولاً. إضافة إلى ذلك، تسجل سبيس إكس خسائر كبيرة. ولديها هيكل حوكمة مؤسسية من شأنه أن يصيب معظم لجان الاستثمار بالخوف. كما أنه لن يتم طرح سوى جزء صغير فقط من أسهمها للاكتتاب العام - ما يصل إلى 75 مليار دولار، أو حوالي 4%.

وعادة ما تنفر هذه الأمور المسؤولين عن المؤشرات، سواء جزئياً أو كلياً. لكن بورصة ناسداك، المعروفة بدعمها للتكنولوجيا، تمهد الطريق بالفعل لشركات مثل هذه للانضمام إلى مؤشراتها بسرعة، وبتمثيل في المؤشرات القياسية يعادل ثلاثة أضعاف الجزء الضئيل المطروح للاكتتاب. كما أعلنت فوتسي راسل منذ أيام عن مسار سريع للإدراجات الجديدة ذات الحصص الصغيرة المطروحة للاكتتاب لبعض منتجاتها. ولم يغير أي من الجانبين القواعد الخاصة من أجل شركة سبيس إكس تحديداً، لكنها ستستفيد بشكل كبير، والتوقيت عامل حاسم. ومن المرجح أن تحذو المؤشرات الأخرى حذوهما.

إن الشركات تظهر وتختفي من المؤشرات باستمرار، ولا يكترث المستثمرون عموماً، ولا ينبغي لهم ذلك. وإذا كانت قيمة شركة ماسك بالفعل 1.75 تريليون دولار، فمن المؤكد أن المؤشرات ستتشوه بشكل غريب لو كان فيها شركة بحجم سبيس إكس. ولكن إذا تعثرت سبيس إكس بعد انطلاقها وخلفت تأثيرات مباشرة على تدفقات الاستثمار السلبي، فسيكون لذلك عواقب على جميع المستثمرين.

إن العملات المشفرة لم تنجح في تسميم جوهر الاستثمار حتى الآن، إذ لا تزال في الغالب على الهامش. ويمكنك الاختيار بين المشاركة أو الابتعاد. في المقابل، يمكن أن يسهم تسهيل الوصول السريع إلى أبسط طرق الادخار وأكثرها شيوعاً في توجيه ضربة مباشرة، لذلك لا بد وحتماً من دراسة متأنية إذا أردنا التمسك بأي فكرة مفادها أن الأسواق تعكس شيئاً يشبه الواقع ولو بشكل طفيف.