العمل عن بُعد وليس الذكاء الاصطناعي وراء ضعف توظيف الخريجين الجدد

جون بيرن ميردوخ
مرّ الخريجون وغيرهم من الداخلين الجدد إلى سوق العمل بسنوات صعبة، فقد شهد سوق العمل انتعاشاً ملحوظاً بين الشباب، في حين تراجع توظيف الخريجين الجدد مقارنةً بالموظفين الأكثر خبرة في بلدان عدة.

وكان تراجع التوظيف في بداية المسيرة المهنية واضحاً بشكل خاص في وظائف ذوي الياقات البيضاء - لا سيما في مجال البرمجيات والوظائف التقنية الأخرى - ما دفع المراقبين إلى الإشارة إلى سبب تردد على ألسنة الكثيرين: صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التي يمكنها أداء الكثير من العمل الذي يقوم به الخريجون الجدد عادةً، ولكنها أقل قدرة على استبدال المعرفة والخبرة المتراكمة لدى المحترفين المخضرمين.

لكن دراسة نُشرت الأسبوع الماضي تشير إلى أن المشكلات التي يواجهها الخريجون الجدد قد لا تعود إلى الذكاء الاصطناعي، أو على الأقل ليس بالقدر الذي يُفترض، فما هي الصدمة الكبيرة الأخرى التي تُلحق الضرر بتوظيف الخريجين الجدد أكثر وتؤثر في وظائف المعرفة أكثر من الوظائف اليدوية؟ يقدم المؤلفان بيتر جون لامبرت ويانيك شيندلر طرحاً مغايراً مثيراً للاهتمام: انتشار العمل عن بُعد.

وأرى أن هذه النظرية مقنعة، حيث يحتاج الموظفون في بداية مسيرتهم المهنية إلى إشراف أكبر من الموظفين ذوي الخبرة، ليكتسبوا مهارات ومعارف ورأس مال اجتماعياً مهماً من خلال الملاحظة والعمل جنباً إلى جنب مع زملائهم ذوي الخبرة.

لكن العمل من المنزل يزيد التعقيدات أمام هذه العمليات، ما يجعل توظيف الموظفين الجدد أكثر كلفة من حيث الوقت والموارد، ويُبطئ فرص ترقيتهم، وبالتالي، أدى ازدياد العمل عن بُعد إلى تفاقم المفاضلة بين توظيف الموظفين الجدد وتوظيف ذوي الخبرة.

وتتوافق أدلة عدة مع هذه النظرية، فقد حلل لامبرت وشيندلر مئات الملايين من بيانات التوظيف الجديدة وإعلانات الوظائف، ووجدا أنه على الرغم من أن كلاً من التعرض المهني للذكاء الاصطناعي ومعدلات العمل عن بُعد تتوافق مع التراجع الواضح لتوظيف الموظفين الجدد، فإن العلاقة مع الذكاء الاصطناعي تتلاشى بمجرد الأخذ في الاعتبار ما إذا كانت الوظيفة عن بُعد أم لا.

بمعنى آخر، يبدو أن الذكاء الاصطناعي هو السبب وراء نقص توظيف مطوري البرمجيات المبتدئين، لأن وظائف البرمجة تُنجز عن بُعد بنسبة كبيرة، كما شهدت الوظائف الأقل اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ولكنها مناسبة للعمل عن بُعد (مثل المحامين)، ضعفاً في توظيف المبتدئين؛ في حين شهدت الوظائف التي تعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي، ولكنها تتطلب العمل وجهاً لوجه (مثل موظفي الاستقبال)، استقراراً واضحاً.

ولا ينفي ذلك حقيقة أن الذكاء الاصطناعي يعد مصدر تهديد لا يمكن إنكاره للعمال الشباب، بل قد يكون العمل عن بُعد عامل خطر إضافياً لاستبدالهم بالذكاء الاصطناعي، إذ قد ينظر المديرون الذين يتفاعلون مع التقارير عبر منصات مثل «سلاك» إلى عمل هؤلاء على أنه أكثر قابلية للأتمتة. وقد تكون العملية غير مباشرة أيضاً: فالشركات التي تواجه صعوبة في تدريب وإدارة الموظفين المبتدئين عن بُعد قد تضع معايير عليا عند التوظيف لهذه الوظائف، ما يؤدي إلى تراكم الشواغر وظهور الاتجاه الذي تؤكده البيانات.

وأياً كانت الآلية، فإن نتائج لامبرت وشيندلر هي أحدث دليل على أنه بالرغم من الاهتمام الكبير بتأثير الذكاء الاصطناعي، فإن انتشار العمل عن بُعد كان تحولاً بالغ الأهمية، وغالباً ما يُغفل عنه، وله آثار كبيرة وغير متوقعة على الاقتصاد والمجتمع.

من ناحية أخرى، وجدت دراسة أُجريت في وقت سابق من هذا العام أن الآباء الأمريكيين الذين يعملون في وظائف تُتيح لهم فرصة العمل عن بُعد استغلوا الوقت الإضافي الذي يقضونه في المنزل لرعاية أطفالهم بشكل أكبر، ما أدى إلى ارتفاع دخل زوجاتهم ومعدل توظيفهن، كما وجدت دراسة أخرى أن العمل عن بُعد يسهم في زيادة معدلات المواليد. وتأتي هذه البيانات الجديدة لتُؤكد نتيجة مُتكررة من أبحاث العمل عن بُعد، وهي أن ما يُفيد العاملين في منتصف أو أواخر حياتهم المهنية قد يُضر بالجيل الأصغر سناً.

كما تُساعد هذه البيانات على تفسير جانب دقيق لم يحظَ بالتقدير الكافي في هذه القصة: فعلى عكس الصورة النمطية السائدة عن جيل طفرة المواليد الذين يُطالبون بعودة الجيل «زد» إلى المكاتب، فإن الجيل الأصغر سناً هو الأكثر مُعارضةً للعمل عن بُعد بشكل كامل، ويُفضل أن يقضي زملاؤهم وقتاً أطول في المكتب.

وهكذا، فإن انتشار العمل من المنزل يعد نعمةً لمن هم في الثلاثينيات من العمر ويرغبون في تخصيص وقت أكبر لتربية الأبناء، لكنه أثّر سلباً في الجيل الأصغر سناً مرتين: فقد أبطأ صعود بعضهم في السلم الوظيفي، ويُبعد بعضهم الآخر عن سوق العمل تماماً.

عموماً، فإن المطالبات بالعودة إلى العمل خمسة أيام في المكتب هي خطوة مبالغ فيها - فالأدلة تُظهر باستمرار أن الترتيبات الهجينة تحقق أفضل النتائج - لكن في المرة القادمة التي تسمع فيها دعوة ليوم إضافي من الحضور الشخصي، ضع في اعتبارك أن أكبر المستفيدين لن يكونوا الرؤساء، بل سيكونون الموظفين المبتدئين والخريجين الجدد.