كيف يمكن تقييم أداء جاي باول خلال رئاسة «الفيدرالي الأمريكي»؟


مارتن وولف
يمكن باختصار وصف جاي باول في رئاسته لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأنه كان رجلاً نزيهاً وذكياً. 

فقد تعامل مع الجانب السياسي لرئاسة المجلس بكفاءةٍ ونزاهة. والأهم من ذلك، أنه تصدى للإساءات «الانتقامية» من دونالد ترامب، الرئيس الذي عيّنه، ثم انتهي به الأمر بوصفه بـ«الأحمق» لمجرد قيامه بواجبه.

بل إن حلفاء ترامب في وزارة العدل فتحوا تحقيقاً جنائياً عبثياً ضد باول، لكنه من القلائل الذين خرجوا من تجربة العمل مع ترامب دون أن تتلطخ سمعتهم. ونيته البقاء في مجلس الاحتياطي الفيدرالي تحت قيادة خَلَفه، كيفن وارش، أمرٌ جيد، نظراً لأن السنوات المقبلة ستكون على الأرجح مليئة بالتحديات، خاصة فيما يتعلق باستقرار العملة الأمريكية.

وعلى عكس آرثر بيرنز، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي في عهد ريتشارد نيكسون، تصدى باول للتنمر. وهذا أمرٌ يُحسب له، لكنه لسوء الحظ، واجه تحديات أخرى، يُمكن القول إنها لم تُعالج بالكفاءة نفسها.

وكان أهمها الاضطراب الناجم عن جائحة كوفيد19. فقد فشل الاحتياطي الفيدرالي، شأنه شأن البنوك المركزية الأخرى، في الحفاظ على معدل التضخم عند 2% سنوياً.

يرى البعض أنه بالنظر إلى حجم هذا الاضطراب، كان ما حدث أقل النتائج الممكنة سوءاً. لكن في مارس 2026، كان مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة أعلى بنسبة 10.4% مما كان عليه لو حقق الاحتياطي الفيدرالي هدفه السنوي البالغ 2% بدءاً من يناير 2020. وقد أثار هذا الأمر استياءً شديداً لدى الناخبين.

وزاد الاحتياطي الفيدرالي من صعوبة مهمته بالانتقال إلى نظام جديد، ففي أغسطس 2020، صرّح الاحتياطي الفيدرالي بأنه «يسعى إلى تحقيق معدل تضخم متوسطه 2% على المدى الطويل». وكانت هذه فكرة سيئة، بل وخاطئة التوقيت، إذ أعقبتها فترة من التضخم المرتفع للغاية.

ويثير هذا الأمر تساؤلات كبيرة حول اقتصاديات الاحتياطي الفيدرالي، فطالما اعتبر أنه من الخطأ الانتقال من النظرة النقدية الساذجة في ثمانينيات القرن الماضي إلى الاعتقاد بأن المال لا يُحدث أي فرق على الإطلاق. وتُظهر تجربة العقد الحالي أنه لا يزال مهماً، وهو ما كنت قد أشرتُ إليه في مايو 2020.

ويُجادل أنصار النظرية النقدية بأن قفزة كبيرة في مقياس ذي صلة بالمعروض النقدي ستؤدي إلى قفزة مماثلة في مستوى الأسعار.

وعلى المدى القصير، سترتفع نسبة النقد إلى الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بشكل كبير، ولكن مع استجابة مستوى الأسعار، سيرتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي نفسه، مُعيداً النسبة بينهما تقريباً إلى ما كانت عليه في البداية.

وهذا ما حدث بالضبط: فقد قفزت نسبة الأموال الواسعة إلى الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة في أوائل عام 2020، من 70% في الربع الأخير من عام 2019 إلى 91% في الربع الثاني من عام 2020، ثم انخفضت مرة أخرى إلى 71% مع ارتفاع مستوى الأسعار (والناتج المحلي الإجمالي النقدي).

وقد يقول البعض إن الدقة الظاهرية للتوقعات ما هي إلا مؤشر إيجابي زائف للسياسة النقدية. في حين يرى آخرون أنه بالنظر إلى حجم الصدمة السلبية في العرض خلال جائحة كوفيد19 وبعدها، فإن التضخم الذي تجاوز الهدف مؤقتاً وارتفاع مستوى الأسعار بشكل دائم كانا ثمناً زهيداً، لا سيما أن انخفاض التضخم لم يستلزم الارتفاع الحاد في البطالة الذي خشي منه البعض.

كذلك، فإنه لو لم تكن السياسة النقدية متساهلة إلى هذا الحد، لكانت تجربة كوفيد19 وما بعدها أكثر إيلاماً. وربما يكون هذا صحيحاً، لكن المؤكد هو أن الاحتياطي الفيدرالي وبنوكاً مركزية أخرى لم تتوقع هذا التضخم المتصاعد، وانتهى بها الأمر إلى تشديد السياسة النقدية متأخراً جداً.

ولأنه من الصعب دائماً مناقشة السيناريوهات البديلة، فإننا، لا نعلم ما كان سيحدث لو كانت السياسة النقدية و(المالية) أقل توسعاً خلال الجائحة وبعدها. لكن من الحماقة تبني وجهة نظر مفادها أن المال لا يؤثر في سلوك الناس، باستثناء تأثيره في أسعار الفائدة قصيرة الأجل.

ومن الأخطاء الأخرى عدم الإصرار على أن يكون لدى البنوك الإقليمية الكبرى خطط لحل الأزمات. وكان انهيار بنك وادي السيليكون وإنقاذ المودعين غير المؤمن عليهم مثالاً صارخاً للمخاطر الأخلاقية. فالضغط من أجل تحرير القطاع المصرفي عادةً ما ينتهي بنتائج وخيمة.

عموما، فإنني أرى أن باول قد اجتاز بنجاح تداعيات الجائحة، في حين لم يطرح ترامب سوى تبريرات واهية، لا سيما أنه، كونه غير متخصص في الاقتصاد، اضطر للاعتماد على خبرائه التقنيين. كما أنه، وبحق، التزم بالمهام الأساسية للاحتياطي الفيدرالي وتجنّب الخوض في سياسات المناخ الشائكة. ولن يكون من السهل على وارش أن يحذو حذوه.

فقد أشار بالفعل إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض التضخم. ونظراً لضخامة الإنفاق الاستثماري، فإن هذا الرأي سابق لأوانه. ولا يزال التوازن بين تأثيراته في العرض والطلب غير واضح.

وبالمثل، فإن الرأي القائل بضرورة تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي سابق لأوانه أيضاً. فلا يوجد سبب ملح للقيام بذلك.

صحيح أن ذلك سيؤدي حتماً إلى رفع أسعار الفائدة طويلة الأجل، وقد يُظهر استقلالية البنك عن ترامب، لكن هذا ليس سبباً كافياً.

ويتمثل التحدي المباشر في أزمة هرمز. وفي هذا السياق، قد يكون رفع أسعار الفائدة ضرورياً بالفعل، لكن السياسة النقدية التقليدية ستكون أكثر مرونة من تقليص الميزانية العمومية. وبغض النظر عن كل هذا، يتعين على وارش ضمان ألا تؤدي أيديولوجية السوق الحرة سريعاً إلى أزمة مالية ضخمة أخرى.

وكما أظهرت تجربة باول، فإن شعبية رؤساء الاحتياطي الفيدرالي ليست مضمونة لدى الشعب أو الرئيس؛ لذا يجب على وارش أن يستعد لأوقات عصيبة قادمة.