فورة الاكتتابات العامة الضخمة تؤشر إلى بلوغ السوق نقطة الذروة

تيج باريخ
يثير الإدراج المرتقب لأسهم ضخمة لشركات مثل «سبيس إكس» و«أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» الكثير من الحماس بين المستثمرين، وقد استند صعود مؤشر ستاندرد آند بورز 500 المدفوع بالذكاء الاصطناعي حتى الآن إلى شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات الضخمة. 

وستتيح هذه الاكتتابات العامة الأولية للمستثمرين فرصة مباشرة للاستثمار في مطوري النماذج وشركة للصواريخ.

لكن التاريخ يشير إلى أن فورة الإصدارات هذه قد تكون في الواقع بداية نهاية موجة صعود قطاع التكنولوجيا.

وتُظهر البيانات التاريخية التي جمعتها شركة «بي سي إيه» للأبحاث أن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 يميل عادة إلى ضعف بالأداء في أعقاب الاكتتابات العامة الأولية الكبرى، ويعود ذلك جزئياً إلى أن زيادة المعروض من الأسهم تستنزف رأس المال قرب أعلى مستويات السوق، مما يقلل بعد ذلك من الأموال المتاحة لدعم السوق بشكل عام.

وفي الوقت الراهن، يبدي المحللون ثقةً بقدرة السوق على استيعاب الإصدارات الجديدة. إلا أن القيمة السوقية الإجمالية المحتملة للشركات الثلاث المذكورة قد تصل إلى حوالي 4 تريليونات دولار، أي ما يعادل 6% تقريباً من سوق الأسهم الأمريكية.

وهذا يُضاهي توسع سوق الأسهم خلال فقاعة الإنترنت في أواخر التسعينيات. وللمقارنة، بلغت القيمة السوقية التراكمية لجميع الاكتتابات العامة الأولية في الولايات المتحدة عند الإغلاق الأول بين عامي 1980 و2025 حوالي 12.5 تريليون دولار بعد تعديلها وفقاً لحسابات التضخم.

وتأتي الإصدارات الجديدة في ظل توقعات بزيادة المعروض من الأسهم على نطاق أوسع، ربما من خلال شركات أخرى مرشحة للاكتتاب العام، مثل شركتي التكنولوجيا «سترايب» و«داتا بريكس».

ومن المتوقع أن تتجاوز النفقات الرأسمالية لشركات الحوسبة السحابية العملاقة في الولايات المتحدة، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بكثير حجم الإنفاق على بناء خطوط السكك الحديدية في القرن التاسع عشر.

وحتى الآن، كان يتم تمويل هذه النفقات بشكل رئيسي من خلال التدفقات النقدية التشغيلية، لكن مع تراجع هذا التمويل، خفّضت بعض شركات التكنولوجيا الكبرى عمليات إعادة شراء أسهمها، ولجأت إلى الاقتراض لتمويل نفقاتها، كما يمكنها إصدار أسهم جديدة لتمويل المزيد من الاستثمارات أو شراء شركات أخرى.

ويمثل ارتفاع المعروض من الأسهم تحولاً هيكلياً، وذلك لأن المعروض من الأسهم انخفض على مدى العقدين الماضيين بعد شطب عدد من الشركات من البورصة، وتزايد عمليات إعادة شراء الأسهم، وعمليات الاندماج والاستحواذ، ونمو الأسواق الخاصة.

ويبلغ متوسط قاعدة الأسهم الأمريكية - أي القيمة السوقية مقسومة على السعر - حالياً حوالي 7% أقل من مستواها في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، وقد انخفض عدد الشركات الأمريكية المدرجة في البورصة إلى أكثر من النصف منذ عام 1995، وفي الوقت نفسه، ساهمت السيولة الناتجة عن التيسير الكمي في أعقاب الأزمة المالية لعام 2008 وجائحة «كوفيد 19» في دعم الطلب على الأسهم.

ويشير روبرت باكلاند، كبير استراتيجيي الأسهم العالمية السابق في سيتي غروب، إلى أن حقبة «تقليص الأسهم» هذه قد قادت في النهاية إلى دعم انتعاش سوق الأسهم.

ويقول: «انخفاض المعروض من الأسهم العامة، إلى جانب ارتفاع الطلب، يعدان سبباً رئيسياً لاستمرار ارتفاع السوق في ظل ارتفاع أسعار الفائدة، والحروب التجارية، والتقلبات الجيوسياسية».

وأوضح باكلاند مؤخراً في مقال له أن هذا «الحد من العرض» قد يقترب من نهايته. وقال: «يلعب طرح الأسهم دوراً في خفض الأداء بالسوق الصاعدة. ولم نشهد ذلك بعد، لكن هذه الاكتتابات العامة الأولية قد تكون البداية».

كذلك، فإن هدف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفن وارش، لتقليص حجم ميزانية البنك المركزي الأمريكي قد يؤدي إلى استنزاف السيولة (وهو ما يمكن أن تفعله أيضاً أسعار الفائدة المرتفعة).

وعلى الرغم من أن وفرة المعروض من الأسهم تخلق تحديات أمام السوق، إلا أن هناك أسباباً عديدة قد تجعل الأسهم تبدو أضعف بعد الإصدارات القوية.

وعموماً، ما سيحدث بعد فترة الحظر المعتادة التي تمتد لستة أشهر بعد الاكتتاب العام الأولي، عندما يصبح بإمكان المطلعين البيع، سيكون مؤشراً مهماً.

سبق أن توقع الكثيرون بلوغ ذروة انتعاش قطاع التكنولوجيا، ومع ذلك واصل السوق صعوده رغم الصدمات غير المسبوقة، وهناك عدة عوامل قد تدعم زخم الصعود لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، منها: التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، وإعادة توزيع أوزان المؤشر، وتغيير تخصيصات رأس المال مع طرح أسهم جديدة، واستثمار السيولة النقدية المتوفرة.

ومع ذلك، فإنه إذا تحققت الاكتتابات العامة الضخمة، وتبعتها زيادة في المعروض من أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فقد يفقد السوق بعضاً من زخم الصعود الذي كان المستثمرون يعتبرونه أمراً مفروغاً منه حتى الآن.