قوة الحوسبة تتحول بوتيرة متسارعة إلى شرط أساسي لسيادة الدول


تشارلز كلوفر
تبرز على نحو متزايد الحوسبة العصبية الشكلية، وهي مستوحاة من علم الأحياء أكثر من الرياضيات، ومصممة لمحاكاة طريقة عمل الدماغ البشري. 

تستخدم هذه التقنية دفعات من النشاط الكهربائي تُحاكي الخلايا العصبية، وتعمل فقط عند تغير بيانات الإدخال، بدلاً من معالجة تدفقات البيانات الكاملة باستمرار، وتستهلك جزءاً ضئيلاً من الطاقة.

يستهلك الدماغ البشري 20 واطاً فقط من الكهرباء، أي ما يعادل طاقة مصباح خافت. وتستخدم بعض إصدارات الحوسبة العصبية، المعروفة باسم «البرمجيات الحيوية»، خلايا دماغية بيولوجية مدمجة مع أجهزة سيليكونية. ويسعى الباحثون إلى تعزيز الأجهزة التقليدية بدلاً من استبدالها.

ومع ازدياد استخدام الذكاء الاصطناعي في إنشاء مراكز بيانات ضخمة باستمرار، يقترح توني كينيون، أستاذ المواد النانوإلكترونية والنانوفوتونية في جامعة لندن أنه في يوم من الأيام، يمكن أن تعمل رقائق الحوسبة العصبية في مراكز البيانات نفسها كجزء من نهج «الحوسبة الهجينة».

عموماً، فإنه من أنظمة ساحة المعركة المدعومة بالذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة ذاتية القيادة إلى الأمن السيبراني وتحليل المعلومات الاستخباراتية، تعتمد القوة العسكرية المتقدمة بشكل متزايد على الوصول إلى الحوسبة.

وبدأت الحكومات تتعامل معها كما تعاملت الأجيال السابقة مع النفط وشبكات الكهرباء: كبنية تحتية تعتمد عليها القوة الاقتصادية والقدرة العسكرية والاستقلال السياسي، بل إن البعض ينظر إلى قوة الحوسبة كشرط أساسي للسيادة نفسها، تماماً كما حددت التكنولوجيا النووية القوة الجيوسياسية في القرن العشرين.

لكن بالنسبة للقوى التكنولوجية المتوسطة، كالمملكة المتحدة، ثمة مشكلة، إذ تسيطر شركات في الولايات المتحدة والصين على غالبية قوة الحوسبة العالمية للذكاء الاصطناعي - ويقدر الخبراء أنها تصل إلى 90 % - مما يدفع الآخرين للبحث عن سبل لتأمين موطئ قدم فيما يسميه صناع السياسات والمديرون التنفيذيون الآن «مجموعة الحوسبة» - الرقائق والشبكات ومراكز البيانات والأجهزة المتخصصة التي تدعم الذكاء الاصطناعي الحديث.

ويقول توني كينيون: «تُعد رقائق أشباه الموصلات جزءاً لا يتجزأ من تكنولوجيا الحوسبة الحديثة عالية السرعة، لدرجة أنه ينبغي اعتبارها بالغة الأهمية لمستقبل أي دولة، تماماً كما هو الحال مع الماء أو الهواء النظيف».

ويزداد الاهتمام بهذه التطورات في ظل اعتماد جيل جديد من الأسلحة على الذكاء الاصطناعي، حيث تُولّد أحدث الطائرات المقاتلة تيرابايتات من بيانات المستشعرات كل ساعة طيران، تُعالج بواسطة نماذج سرية.

ويعتمد البحث عن الغواصات على تحليل البيانات الصوتية التي كان يقوم بها بشر يرتدون سماعات رأس، أما الآن فيمكن الاستماع إلى المحيط بواسطة خوارزميات تبحث عن أي شذوذ. وتلعب أنظمة الذكاء الاصطناعي الرقمية، مثل نظام مافن الذكي، وهو برنامج صممته شركة بالانتير، دوراً محورياً في الحروب، بينما ستحدد الحوسبة مدى فعالية الأسلحة ذاتية التشغيل.

ويرى الباحثون والمسؤولون التنفيذيون أن التحول التكنولوجي القادم قد يمنح الكثير من الدول فرصة ثانية.

ويقول سيباستيان وايدت، الرئيس التنفيذي لشركة «يونيفرسال كوانتوم»، وهي شركة ناشئة في مجال الحوسبة الكمومية في هايواردز هيث، جنوب لندن، وأستاذ في جامعة ساسكس القريبة: «في مجال الحوسبة الكمومية، تتاح للمملكة المتحدة فرصة فريدة، لا تتكرر إلا مرة كل جيل، لبناء شركة تبلغ قيمتها تريليون دولار».

وبدأ وايدت العمل على الحوسبة الكمومية قبل 15 عاماً. ويقول إنه في ذلك الوقت، كان هذا المجال يبدو بلا حدود ومنفتحاً، «كأنه مجتمع تعاوني». كان الباحثون يتبادلون الأفكار بحرية تامة وهم يسعون لجعل «الكيوبتات» الكمومية الهشة - وهي ذرات متأينة أو فوتونات مفردة - مستقرة بما يكفي لإجراء حسابات مستحيلة على أجهزة الكمبيوتر التقليدية. أما اليوم، فقد اختفى ذلك العالم، إذ أصبحت هذه التقنية متشابكة مع سياسات السيادة التكنولوجية والأمن القومي.

وفي مارس، أعلنت الحكومة البريطانية عن مبادرة تمويل كمومي بقيمة ملياري جنيه إسترليني تهدف إلى بناء القدرات المحلية.

في جميع أنحاء العالم، تضخ الدول تريليونات الدولارات في برامج الحوسبة الكمومية الوطنية، بينما تُشدد في الوقت نفسه الضوابط على المواهب والملكية الفكرية والتعاون.

وتعمل شركة وايدت الناشئة على تطوير حاسوب كمومي بقيمة 67 مليون يورو لصالح وكالة الفضاء الألمانية. ويقول وايدت: «بالنسبة للذكاء الاصطناعي، فقد فات الأوان. الجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي، ويريدون بناء المزيد من مراكز البيانات وما إلى ذلك، وهذا أمر جيد، لكن الخطر يكمن في حدوث الشيء نفسه في مجال الحوسبة الكمومية».

قد لا ترقى الحوسبة الكمومية إلى مستوى التوقعات، لكن توجد بالفعل مقترحات لاستخدامها في أنظمة مثل برنامج المقاتلة الجوية القتالية العالمية (GVAR)، وهو برنامج مشترك بين المملكة المتحدة وإيطاليا واليابان. ويراهن العلماء أن الحاسوب الكمومي سيكون قادراً في نهاية المطاف على اختراق التشفير التقليدي، ما يجعل كل شيء، بدءاً من العملات المشفرة، وصولاً إلى الأسرار الوطنية، عرضة للخطر.

ويتضح التحول نحو سباق التسلح الكمومي حتى في شبكة وايدت الأكاديمية. فهو لا يزال يحاول البقاء على اتصال مع طلابه الخريجين السابقين المنتشرين في مختلف أنحاء الصناعة العالمية، لكن بات من الصعب التواصل مع بعض الذين عادوا إلى الصين. يقول: «في بعض الحالات، يبدو أنهم اختفوا تماماً»، ربما يعملون في برامج حساسة مدعومة من الدولة، حيث لم يعد التعاون ممكناً.

ويبلغ إنفاق الحكومة الصينية على برامج الحوسبة الكمومية حالياً حوالي 17 مليار دولار، مقارنةً بـ 9 مليارات دولار لكل من الولايات المتحدة واليابان، وفقاً لبيانات جمعتها منظمة «كيوريكا» لأبحاث تكنولوجيا الكم.

ويقول الخبراء إن الدافع وراء التوجه القوي والمتسارع نحو الحوسبة الكمومية هو السعي للتخلص من التبعية التكنولوجية، خاصة في أعقاب الحظر الأمريكي على صادرات الرقائق الإلكترونية المتقدمة، والذي غذّى بدوره السعي نحو الاكتفاء الذاتي.

ويرى هؤلاء الخبراء أن تشريع عام 2022 بالولايات المتحدة، والذي منع الصين من الحصول على وحدات معالجة الرسومات (GPUs) القوية دفعها للتكيف من خلال تطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة بخمس إلى عشر مرات.

وتتضح الآن عواقب استخدام الولايات المتحدة للرقائق الإلكترونية كورقة ضغط على مستوى العالم. ففي أعقاب مساعي الرئيس دونالد ترامب لضم غرينلاند من الدنمارك في وقت سابق من هذا العام، زاد الخوف لدى حلفاء الولايات المتحدة من تهديد حصولهم على الرقائق الأمريكية.

وبينما يصر جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، على أن شراء معالجات الرسومات من شركته سيوفر»ذكاءً اصطناعياً سيادياً«، إلا أن الكثيرين متشككون. يقول جيمس ريغان، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أوريول نتوركس، وهي شركة بريطانية ناشئة في مجال الشبكات الضوئية: «يبقى الذكاء الاصطناعي سيادياً إلى أن يقرر رئيس أمريكي مستقبلي أنه لا يمكن أن يكون كذلك».

وبالنسبة للدول التي فاتتها فرصة اللحاق بركب الذكاء الاصطناعي، يبقى الأمل معقوداً على أن توفر بعض التقنيات الجديدة ميزةً للعودة إلى المنافسة. ويقول توني كينيون إنه قبل عام 2014 تقريباً، كان الطلب على قوة الحوسبة يتضاعف كل 18 شهراً، مواكباً العرض، لكن في الآونة الأخيرة، يتضاعف الطلب بوتيرة أسرع بكثير.

ويقول كينيون إن السؤال الذي يطرح نفسه على الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي هو: «كيف ستتم معالجة هذه النماذج الضخمة والمعقدة مع تزايد حجمها باستمرار؟ لا بد من حلول لمشكلة عرض النطاق الترددي - أي نقل البيانات – والذاكرة».

وتبقى هناك معضلة كبيرة وهي تكاليف الطاقة الباهظة - حوالي 156 جيجاواط من قدرة توليد الكهرباء بحلول عام 2030، وفقاً لتقدير أجرته شركة ماكينزي الاستشارية العام الماضي، أي ما يعادل 1.5 ضعف القدرة المركبة في أستراليا. ويضيف كينيون: «عندما تُجرى مناقشات حول ضرورة بناء مفاعل نووي أو تطوير تقنية الاندماج النووي لتشغيل مراكز البيانات، يجب إعادة النظر في التكنولوجيا الأساسية».

ويقول الخبراء «إن وحدة معالجة الرسومات (GPU) - وهي حالياً العمود الفقري لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي - ستستمر في الهيمنة على حوسبة الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب، لكن الوضع بدأ يتغير»، حيث يجري بالفعل استكشاف بدائل.

على سبيل المثال، تُشير التقارير إلى أن شركة أنثروبيك الأمريكية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي تُجري محادثات أولية لشراء رقائق ذكاء اصطناعي عالية الأداء من شركة فراكتيل، وهي شركة ناشئة في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي مقرها لندن.

في الوقت نفسه، صرّحت شركة أوريول، التي تستخدم فوتونات الضوء لتشغيل الشبكات بكفاءة أكبر، أنها تعمل مع شركة «أيه إم دي»، ثاني أكبر مُصنّع لوحدات معالجة الرسومات في العالم، لبناء نظام لمختبر «سكيلينج إنفرنس» في المملكة المتحدة، وهو منصة اختبار لتقنيات أجهزة الذكاء الاصطناعي.

ويُعدّ التواجد في موقع محوري ضمن منظومة الحوسبة أمراً بالغ الأهمية للدول، فكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، تهيمن على أجزاء رئيسية من منظومة أشباه الموصلات، لا سيما رقائق الذاكرة المتقدمة، من خلال شركتي «سامسونج» و«إس كيه هاينكس» العملاقتين.

ولا تقتصر مكانة كوريا الجنوبية على كونها مستهلكاً لوحدات معالجة الرسومات، بل هي مورد حيوي للبنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي.

وتتبوأ تايوان هي الأخرى مكانة محورية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وذلك بفضل شركة «تي إس إم سي»، الشركة المصنعة لأشباه الموصلات التي تُنتج معظم وحدات معالجة الرسومات المتقدمة لشركة إنفيديا.

كذلك تندرج هولندا ضمن هذه المجموعة من خلال شركة «أيه إس إم إل»، التي تُعدّ آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة التي تُنتجها أساسية لإنتاج أكثر الرقائق تطوراً في العالم. وقد أدت «أيه إس إم إل» أيضاً إلى ظهور العديد من الصناعات المرتبطة بالسيليكون.

وتُدرك الحكومات بشكل متزايد أن وجود بطل وطني واحد لا غنى عنه يُمكن أن يُوفر نفوذاً في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، الذي يُكافئ الدول القادرة على حماية وتوسيع نطاق الصناعات الاستراتيجية لفترة كافية لتصبح جزءاً لا يتجزأ من النظام العالمي.

ويكمن الخطر في أنه في غياب رأس المال المحلي الكافي والسياسات الصناعية الفعّالة، قد تُدمج الشركات الناشئة المبتكرة في تكتلات أجنبية أكبر قبل أن تصبح شركات رائدة على المستوى الوطني.