كاتي مارتن
بدأ شعور قوي يتسلل إلى أوساط خبراء الاستثمار بأن هناك مشكلة خطيرة.
مدير صندوق سندات قابلته منذ أيام قام بما يجيده - قدم عرضاً موجزاً يشرح فيه أسباب شراء السندات، وخلاصة كلامه أن الأسعار انخفضت بشكل كبير، وأصبحت رخيصة، وأننا قد نواجه صدمة اقتصادية عالمية، ولأن السندات تستفيد من هذا النوع من التراجع، لذا اشترِ عند انخفاضها، ثم أخبرني بعد ذلك أنه عاد إلى مكتبه ليجد أن أسعار السندات الحكومية العالمية قد انخفضت أكثر خلال الفترة القصيرة، التي كان يتحدث فيها، وهو ما رفع تكاليف الاقتراض الأمريكية القياسية بمقدار 0.1 نقطة مئوية.
بالنسبة للعامة قد لا يبدو هذا الأمر مهماً، أما بالنسبة لخبراء سوق السندات فهذا التراجع حاد ومقلق، خصوصاً أنه ليس سوى أحدث حلقة في سلسلة متواصلة من الانخفاضات في أسواق الدين منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط قبل ثلاثة أشهر تقريباً.
في البداية كان هذا الانخفاض في أسعار السندات، وما تبعه من ارتفاع في تكاليف الاقتراض، يبدو وكأنه تقلب عابر، تضخم بفعل الدور المبالغ فيه، الذي يلعبه المضاربون سريعو الحركة في قطاعات السوق غير التقليدية، لكن هذا التقلب استمر، حتى بعد تعافي الأسهم، ثم بدأ الأمر يبدو وكأنه إعادة نظر عالمية في كيفية إطلاق أسعار الطاقة المرتفعة العنان للعدو اللدود لسوق السندات - التضخم - مرة أخرى على النظام المالي العالمي.
الآن، ومع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، يبدو أن التضخم يتجذر من جديد، بعد أن كان محافظو البنوك المركزية قد بدأوا يعتقدون أنهم أدوا دورهم في القضاء عليه، وأنهم على وشك الاحتفال، لكنه الآن يعود ليتجذر مرة أخرى، والسندات عاجزة عن تجنب تأثيره المدمر.
ومع الارتفاع المستمر والمطرد في تكاليف الاقتراض الحكومي برز شعور بين خبراء سوق السندات بأننا نواجه مشكلة خطيرة، ولطالما حذر المتشائمون من أن هذه اللحظة ستأتي لا محالة أن المستثمرين سيصلون في مرحلة ما إلى التشبع بديون الحكومات، ولن يرغبوا في تحمل المزيد، وقد لجأت حكومات الاقتصادات الغنية إلى الاقتراض بشكل متزايد منذ الأزمة المالية العالمية، لكنها أدمنت هذه الديون خلال جائحة «كوفيد 19»، ولم تتراجع عن ذلك، فلماذا عناء إجراء حوارات صريحة وصعبة مع الناخبين حول الضرائب، في حين يمكن ببساطة استغلال المستثمرين للحصول على الأموال؟
وهذا الوضع يبقى مقبولاً إلى أن تأتي مرحلة يصبح فيها غير مقبول. والآن، يبدو أن حرب إيران هي الحدث الذي يُجسد هذا الخطر بشكل جلي، والتضخم المرتفع يُرسي الأساس لذلك.
إضافة إلى ذلك ونتيجة لهذه الحرب يضطر السياسيون إلى الإنفاق على الطاقة النظيفة، وزيادة الإنفاق على الدفاع، فضلاً عن الإنفاق على البنية التحتية والرعاية الصحية، كما تشعر العديد من الحكومات بضرورة توجيه مزيد من الإنفاق لحماية الأسر والشركات من آثار ارتفاع أسعار النفط، وهي تتوقع من مستثمري السندات مساعدتها في ذلك، وربما يتحقق مرادها، بطريقة أو بأخرى، وحتى المملكة المتحدة، بمستويات ديونها المرتفعة مقارنة بحجم اقتصادها وسوق سنداتها المتقلبة بشكل واضح، لا تزال تجذب حشوداً كبيرة عندما تصدر المزيد من السندات، لكن السعر ارتفع بشكل ملحوظ بالنسبة للحكومات، ما يجبرها على إنفاق المزيد والمزيد من الأموال لمجرد دفع الفوائد. وفي النهاية سيشعر الجميع بهذا العبء.
ولنضرب مثالاً بالموز، إذا رغبتُ في تناول موزة، فسأشتريها إذا كنتَ تبيعها.
وقد أدفع حتى 70 بنساً مبالغاً فيه مقابل موزة واحدة، بها بعض البقع السوداء في سلسلة متاجر شهيرة، لكن إذا كنتَ، لسبب ما، ستحتاج مني الآن أن أشتري عشرات الموزات السوداء، فمن الطبيعي أن أدفع 70 بنساً للواحدة، الآن، مستثمرو السندات في وضع مماثل، سئموا من الموز الفاسد.
وقال جريج بيترز من شركة «بي جي آي إم» في مذكرة هذا الأسبوع، إن أكثر ما يُثير القلق في أزمة الديون السيادية هو عدم وجود سبب محدد، لأنها في الأغلب مسألة ثقة من جانب المستثمرين، ولا يعرف المستثمرون متى يتم الضغط على الزناد، لكننا نعلم أن الظروف المسبقة تجعل ذلك محتملاً للغاية في وقت ما، وبالتالي، فإن هذه الخطوة الأخيرة لن تكون مفاجئة على الإطلاق، وتنسجم مع الاعتقاد بأننا نعيش في عصر سنشهد فيه سلسلة متواصلة من الصدمات للسوق العالمية.
وكما أشار جريج بيترز فإن المملكة المتحدة في قلب هذا التوتر، إذ تعاني أكثر من غيرها من الاقتصادات المماثلة من ارتفاع تكاليف الاقتراض، في ظل عودة الفوضى السياسية.
قد تجد حكومات أخرى هذا الجانب من المعاناة الذاتية مثيراً للسخرية، لكن ما يحدث في المملكة المتحدة قد يكون بداية لسلسلة من التداعيات، ولذلك قال بيترز: «على السياسيين العالميين الانتباه».
وفي الوقت الراهن تظهر أسواق الأسهم مرونة استثنائية في مواجهة ارتفاع عوائد السندات. يظهر بعض التوتر في أسهم الدول غير المتأثرة بالذكاء الاصطناعي، لكنها عموماً صامدة، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الارتفاع ثابت في معظمه وليس حاداً.
ولا يزال هناك احتمال أن يسود السلام في الشرق الأوسط، وتعود إمدادات الطاقة إلى طبيعتها، وتدعم تراجع التضخم، ولا يكون كل هذا الاقتراض الإضافي ضرورياً، ويعود مراقبو السندات إلى ممارساتهم المعتادة.