اكتتاب «سبيس إكس» يضخ مزيداً من الهواء في فقاعة وادي السيليكون

تبدأ الفقاعات المالية عندما يرى المستثمرون أصلاً معيناً يرتفع سعره بشكل صاروخي، فيبدأون بملاحقته هو وأي شيء يشبهه. وفي الأجيال السابقة، حدث ذلك في أول فقاعة اقتصادية مسجلة في التاريخ خلال القرن السابع عشر في هولندا، التي أطلق عليها «هوس زهور التوليب»، ثم تكرر الأمر مع السكك الحديدية والعقارات المطلة على الشواطئ. أما الآن، فيبرز بقوة هوس الذكاء الاصطناعي لوادي السيليكون.

ومن الواضح أن المساهمين على استعداد للإذعان لأي شيء في سبيل تحقيق هذا الشغف، وهو ما يتضح من الاكتتاب العام الأولي لشركة «سبيس إكس». وسيحتفظ إيلون ماسك بالسيطرة على شركة صناعة الصواريخ من خلال أسهم ذات حقوق تصويت فائقة، وبالتالي لا يمكن عزله، كما يجب تسوية النزاعات بشكل خاص، وليس في المحاكم. وهناك مكافأة فلكية في انتظاره إذا حقق أهدافاً طموحة للغاية. وتشير القيمة السوقية المتداولة لشركة «سبيس إكس»، البالغة 1.75 تريليون دولار، أي أكثر من 4 أضعاف قيمتها قبل 6 أشهر وفقاً لـ «بيتش بوك»، إلى أن المستثمرين على استعداد لقبول سعر مرتفع لجني ثمار عبقرية ماسك.

ورغم أن ماسك يعتقد أنه فريد من نوعه، إلا أن امتياز «سبيس إكس» ليس إلا جزءاً من ظاهرة أوسع، فمنذ العقد الماضي دأبت شركات التكنولوجيا على تكريم مؤسسيها من خلال فئات أسهم منفصلة، ودمج منصبي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي مع مجالس إدارة ضعيفة الصلاحيات. وأصبح التميز، أو النزعة النخبوية المفرطة، أو حتى الجرأة، بمثابة وسام شرف. وفي نهاية المطاف، بات الخروج عن المألوف شرطاً أساسياً لتحقيق عوائد مالية استثنائية تتجاوز السوق بكثير.

ويدعم هذا التنافس على دعم الشخصيات البارزة بيانات موثقة، فقد أظهرت دراسة أجرتها شركة «باين آند كومباني» أن الشركات التي يقودها مؤسسوها حققت عوائد للمساهمين تقارب ضعف عوائد الشركات الأخرى، وتفوقت عليها حتى بعد استبعاد الجوانب الفنية. وفي تحليل منفصل شمل 290 شركة تقنية، تبين أن الحفاظ على نمو بنسبة 20 % لمدة 10 سنوات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بامتلاك «عقلية مؤسسية» وهيكل تنظيمي أقل تعقيداً، ومع ذلك فإن الاعتقاد بأن توجهاً استثمارياً ما قد كسر قواعد التمويل هو اعتقاد قديم قدم التاريخ، وعادة ما يكون مؤقتاً. وقد يكون الائتمان الخاص على وشك أن يشهد هذا التحول أيضاً. وقد تضخمت هذه الفئة من الأصول لتصل قيمتها إلى 3 تريليونات دولار، ولطالما انبهر المستثمرون تاريخياً بالعوائد السخية، لكن الآن بدأت تظهر بوادر الانهيار، وبات بعض خبراء المال يحذرون من أن دورة الائتمان المعتادة ستعود، تاركة المتهاونين والمغامرين بخسائر فادحة.

والمشكلة أن أكبر العلامات التجارية التي يديرها شخص واحد اليوم تستفيد كثيراً من الانطباع السائد بأنه ليس هناك دورة اقتصادية قادرة على إسقاطها. ويُنظر إلى استكشاف الفضاء والذكاء الاصطناعي على أنهما استثماران مضمونا الربح. علاوة على ذلك، تتصرف الأسواق وكأن الشركات التي دخلت مرحلة التوسع، مثل «أوبن إيه آي» و«إنفيديا» و«تسلا» لا يمكن إزاحتها عن عرشها.

وبطبيعة الحال، سيخضع هذا الافتراض لاختبارات قوية. وعندما يركز تقييم شركة ما بشكل غير متناسب على «قيمة نهائية» تتكون من تدفقات نقدية لا تزال على بعد سنوات عدة، فإنه حتى المراكز الرائدة يمكن ربحها وخسارتها في لحظة. وعلى سبيل المثال، فإن شركة «أنثروبيك»، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي التي تقدر قيمتها الآن بـ900 مليار دولار، لم يمضِ على تأسيسها سوى خمس سنوات، لذلك ليس من المستبعد بالمرة أن تنهار شركة كبيرة بنفس سرعة صعودها.

وعادة ما تبدو الفقاعات واضحة عند النظر إليها بأثر رجعي. ولن تكون فقاعة عبقرية وادي السيليكون استثناء. ولعل إحدى المشكلات الرئيسية تكمن في قصر الذاكرة، ففي مجال الائتمان الخاص يخشى المتشككون من أن الغالبية العظمى من مديري الصناديق انضموا إلى السوق بعد أزمة 2008.

إن العقول العبقرية ثروة بلا شك، لكنها يمكن أن تصبح عرضة للمبالغة في تقدير قيمتها تماماً كقصر في فلوريدا، أو حتى بصلة لزهرة التوليب.