لماذا يريد وارش من «الاحتياطي الفيدرالي» أن يلتزم الصمت؟


جيليان تيت
قبل اثني عشر عاماً، نشر عالم الأنثروبولوجيا دوغلاس هولمز دراسة ركزت على محافظي البنوك المركزية، حملت عنوان «اقتصاد الكلمات».

وقال هولمز إنه من الخطأ تماماً اعتبار كبار المسؤولين في البنوك المركزية مجرد «مهندسين» يشكلون اقتصادنا من خلال تحريك أدوات التحكم النقدية.

كذلك ينظر إلى هذه المجموعة على أنها تتصرف كأشباه المنجمين والمشعوذين الذين يوجهون الاقتصاد من خلال إلقاء تعاويذ لفظية. من هنا يبرز دور «التوجيه المسبق»، وهي الأداة التي تستخدمها البنوك المركزية لإطلاع الجمهور على المسار المحتمل للسياسة النقدية، خاصة أسعار الفائدة.

فهل هذا أمر جيد؟ إنه سؤال بالغ الأهمية الآن بعد أن صادق مجلس الشيوخ الأمريكي على تعيين كيفن وارش رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. لا سيما أن وارش يتولى المنصب مُتعهّداً بإحداث «تغيير جذري»، لتعزيز مصداقية الاحتياطي الفيدرالي.

وبكل المقاييس، يواجه وارش مهمةً بالغة الصعوبة. فالرئيس دونالد ترامب يُطالب بتخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة، ومثل هذا الضغط يُهدد بتقويض استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، كما حذّرت مجموعة الثلاثين مؤخراً في تقريرٍ لاذع. والمجموعة هي هيئة دولية غير ربحية تعمل كـ«ثينك تانك» أو مؤسسة فكرية مرموقة، تضم كبار الشخصيات الاقتصادية والمالية من محافظي البنوك المركزية، الأكاديميين، وممثلي القطاع الخاص.

في الوقت نفسه، يواجه وارش تحدياً آخر يتمثل في أن تضخم أسعار المستهلكين والمنتجين سجل 3.8 % و6 % على التوالي. والأسوأ من ذلك، أن عوائد السندات لأجل عشر سنوات تقارب 4.5 %.

والحل الذي يقترحه وارش يقوم على تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، وتحسين التنسيق مع وزارة الخزانة، وتضييق نطاق مهمة البنك المركزي. كما يأمل (أو يدعو) أن تُحقق طفرة الذكاء الاصطناعي معجزة إنتاجية تُمكنه من خفض أسعار الفائدة.

لكن ثمة جانباً آخر، أقل وضوحاً، لخططه أيضاً: «إصلاح طريقة تواصل الاحتياطي الفيدرالي»، حسبما صرّح أمام الكونغرس. وكان قد ذكر في خطاب ألقاه العام الماضي: «أنه بمجرد أن يكشف صناع السياسات عن توقعاتهم الاقتصادية، فإنهم قد يصبحون أسرى لكلماتهم. لذلك، من الأفضل لقادة الاحتياطي الفيدرالي أن يتجنبوا فرص مشاركة آخر أفكارهم».

كذلك، قال أمام الكونغرس هذا الشهر: «يُعلن الاحتياطي الفيدرالي للعالم أجمع عن توجهاته، ويتمسك بتوقعاته لفترة أطول مما ينبغي». بعبارة أخرى مختصرة: هو يُفضّل الصمت.

وهذه مفارقة. فنحن نعيش في عصرٍ صاخبٍ للغاية، وكثيراً ما يلجأ وزير الخزانة، سكوت بيسنت، إلى التدخل اللفظي بنفسه. في المقابل، يستخدم ترامب وسائل التواصل الاجتماعي كمكبر صوت. أو كما قال وارش أمام الكونغرس: «يميل الرؤساء دائماً إلى تأييد خفض أسعار الفائدة. والفرق هو أن الرئيس ترامب يُعبّر عن ذلك علناً وبصورة مبالغ فيها».

علاوة على ذلك، يتعارض الصمت مع التوجهات الحديثة بين محافظي البنوك المركزية. فقد تعودت البنوك المركزية على التعتيم في الكشف عن معلوماتها. لكن طريقة تواصلها شهدت، في العقود الأخيرة بصفة خاصة، تحولاً جذرياً من شبه انعدام للمعلومات إلى درجة عالية من الشفافية والمساءلة« وهو ما لفت إليه أوتمار إيسينغ، كبير الاقتصاديين السابق في البنك المركزي الأوروبي.

ويرجع ذلك جزئياً إلى حاجة البنوك المركزية إلى الشرعية السياسية، وإيمانها بأن أفضل سبيل لتحقيق ذلك هو تبني ثلاثية «التوضيح، والتفاعل، والتثقيف»، كما ورد في ورقة بحثية لبنك إنجلترا.

لكن في الآونة الأخيرة، بات تواصل البنوك المركزية يعكس أيضاً ضغوط السياسة وأحياناً اليأس: فعندما خفضت البنوك المركزية الغربية أسعار الفائدة إلى الصفر بعد الأزمة المالية العالمية، احتاجت إلى أدوات جديدة لمكافحة الانكماش، وبدا التدخل اللفظي خياراً مناسباً.

وهذا منطقي مع ذلك، يكمن التحدي الذي يواجه محافظي البنوك المركزية اليوم في أن العالم قد تغير. ولم تعد أسعار الفائدة عند الصفر في معظم الاقتصادات، وبات من الصعب على أي شخص وضع توقعات موثوقة. وبينما يستطيع الاقتصاديون تحليل دورات الطلب، فإنهم يجدون صعوبة في التنبؤ بصدمات جانب العرض، ناهيك عن السياسة الداخلية والجغرافيا السياسية كما تسود حالة من عدم اليقين الجذري.

وقد استجابت البنوك المركزية لهذه الصعوبات بطرق مختلفة، ودأب بنك إنجلترا منذ فترة على نشر «مخططات المروحة» لتوقعات التضخم المحتملة، ليُظهر أنه ليس مرجعاً معصوماً عن الخطأ ولدى الاحتياطي الفيدرالي «مخططات نقطية» توضح توقعات أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية لأسعار الفائدة.

وقرر صندوق النقد الدولي مؤخراً إصدار 3 توقعات، لا توقعاً واحداً، ليعكس حالة عدم اليقين المتزايدة وعندما يناقش محافظو البنوك المركزية السياسة النقدية اليوم، فإنهم يُؤطرون هذه المناقشات بشكل متزايد على أنها «معتمدة على البيانات»، وتفاعلية مع الأحداث، وليست مبنية على توقعات سابقة.

ويبدو كل ذلك منطقياً. ومع ذلك، فإن إحدى مشكلات الاعتماد على البيانات هي أنها تُضعف أي توجيهات مستقبلية. وهناك مشكلة أخرى هي أن ذلك قد يسبب حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين وتقلبات في السوق. ولذلك، يخلص وارش إلى أن «تحريك الأسواق بتصريحات متكررة من الاحتياطي الفيدرالي أمر مغرٍ، ولكنه غير مُجدٍ». وبالتالي، فبينما من المرجح أن يدعم نشر تقارير الاحتياطي الفيدرالي والمؤتمرات الصحفية لإظهار المساءلة، فإنه قد يُقلص أو يُلغي تلك المخططات النقطية وغيرها من التوجيهات المستقبلية.

لكن هل هذا تصرف حكيم؟ قد يرد العديد من الإعلاميين والمشاركين في السوق بالنفي. ولا عجب في ذلك، فهم يستمدون قوتهم من الطقوس المحيطة بتصريحات البنوك المركزية. كما يرى البعض أن سياسة الصمت قد تُحدث أحيانًا تقلبات في السوق لا تقل عن تلك التي يُحدثها الضجيج المفرط.

شخصياً، أتعاطف إلى حد ما مع حجج وارش، ففي نهاية المطاف، وكما يُشير دوغلاس هولمز، يفقد السحر اللفظي فعاليته عند الإفراط في استخدامه، أو عندما يتعارض مع الواقع لذلك، فإن السؤال المطروح أمام الاحتياطي الفيدرالي هو: هل يُمكن للصمت أن يُجدي نفعاً بالفعل؟ وهل سيكون وارش مهندساً اقتصادياً بارعاً أم مجرد منجم ومُشعوذ؟