منحنى العقود الآجلة للنفط لا يمكن اعتباره مؤشراً دقيقاً للمستقبل

جوناثان فنسنت - مالكولم مور
ظلّ سعر برميل النفط فوق 100 دولار طوال معظم فترة الشهرين الماضيين، حيث أدت حرب الشرق الأوسط إلى توقف شبه تام لتدفقات النفط الخام عبر مضيق هرمز. 

وقد حاول البيت الأبيض مراراً وتكراراً طمأنة الأمريكيين بأنه يتوقع انخفاض الأسعار بسوق النفط قريباً، فيما تحذر أكبر شركات النفط في العالم من أن عودة الإمدادات إلى وضعها الطبيعي ستستغرق شهوراً بعد انتهاء النزاع.

في 4 مايو، استشهد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بسوق العقود الآجلة للنفط كدليل على اعتقاد المتداولين بأن ارتفاع الأسعار مؤقت، وقال لقناة فوكس نيوز: «يمكننا أن نرى في سوق العقود الآجلة أن أسعار النفط قد انخفضت بالفعل بعد 3 أشهر، و6 أشهر، و6 أشهر».

ولا ينفرد بيسنت باستخدام منحنى العقود الآجلة للنفط كدليل على اتجاه الأسعار؛ حيث تستخدم الشركات أيضاً هذا المنحنى كمؤشر محايد للمستقبل، وتفترض العديد من البنوك المركزية أن أسعار النفط ستتبع هذا المنحنى عند تحديد المسار المركزي لتوقعات التضخم، لكن الكثير من التجار ومحللي النفط يحذرون من أن سوق العقود الآجلة للنفط، الذي يتيح للتجار شراء وبيع عقود النفط للتسليم في تاريخ لاحق، ليس أداة للتنبؤ بالمستقبل، خاصة في أوقات الأزمات.

ويقول جيمي ويبستر، الباحث في المركز العالمي لتحليل الطاقة التابع لمجموعة بوسطن الاستشارية: «لديّ عملاء يقولون إن كل هذه الادعاءات بأن سعر برميل النفط سيصل إلى 200 دولار خاطئة تماماً، لأن المنحنى يُظهر السعر عند مستوى 80 دولاراً في غضون بضعة أشهر. لذلك، لا داعي للقلق». لكنه يرد مؤكداً: «منحنى العقود الآجلة للنفط لا يمكن اعتباره أداة للتنبؤ».

كما يشدد مارتن راتس، المحلل في مورغان ستانلي، على أن أسعار العقود الآجلة تمثل ما يرغب المشترون والبائعون الذين يسعون إلى التحوط من مخاطرهم في الاتفاق عليه اليوم، وليس ما يعتقدون أن السعر سيكون عليه في المستقبل.

يبيع منتجو النفط عقوداً آجلة لتثبيت أسعار النفط الخام الذي يتوقعون ضخه في الأشهر أو السنوات القادمة، مما يمنحهم مزيداً من اليقين عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية. كما يبرم المشترون، مثل مصافي التكرير، عقوداً آجلة لتأمين إمداداتهم وتثبيت تكاليفهم في مواجهة أي ارتفاعات مفاجئة في الأسعار، ما يسمح لهم بالعمل بهامش ربح يمكن التنبؤ به.

ويقول التجار إن شكل منحنى العقود الآجلة - الذي يجسد أسعار التسليمات في نقاط زمنية مختلفة في المستقبل - يتأثر بعوامل متعددة، ونادراً ما يكون رهاناً مباشراً على مستوى الأسعار المتوقعة.

ويوضح سبنسر ديل، كبير الاقتصاديين السابق في شركة «بي بي» قائلاً: «يشير الانحدار الحاد في مقدمة المنحنى إلى أن السوق الفعلي يشهد شحاً كبيراً في المعروض حالياً. ولا أعتقد أن مثل هذا المنحنى يعطينا فكرة جيدة عما يتوقعه تاجر النفط لأسعار النفط بعد 12 شهراً».

ومنذ بداية الحرب، ارتفع سعر النفط الرئيسي بأكثر من 45 % لكن أسعار النفط للتسليم في ديسمبر من هذا العام ارتفعت بأقل من 30 %، وعقود ديسمبر 2027 ارتفعت بأقل من 20 %. وحتى لو اعتبر تاجر النفط العادي هذه الارتفاعات ضئيلة للغاية، وأن 80 دولاراً سعر زهيد لبرميل النفط في أغسطس، فهناك أسباب قد تدفعه للتردد في شراء كميات كبيرة من الإمدادات للتسليم خلال 3 أشهر، لأن هناك تكاليف مرتبطة بالدخول في مراكز كبيرة في أسواق العقود الآجلة وتجديدها باستمرار، كما أن محدودية السيولة النسبية في بعض العقود البعيدة تزيد من تكاليف ومخاطر الاحتفاظ بهذه المراكز. ويزيد التقلب الحالي للأسعار من احتمالية تكبد المستثمرين - خاصة أولئك الذين يضاربون بأموال مقترضة - خسائر دفترية، وهو ما يضطرهم إلى التخلي عن رهاناتهم.

كذلك، فإن التجار متخوفون من سرعة انهيار أسعار النفط بعد انتهاء الحرب، وهم مترددون جداً في تثبيت إمدادات طويلة الأجل بأسعار مرتفعة للغاية.

ويقول مارتن راتس: «نمرّ بفترة يسودها الكثير من عدم اليقين بشأن إمكانية تخفيف قيود الإمداد الحالية خلال أسابيع قليلة». ويضيف: «عندما يتم تداول النفط لعقود مستقبلية تمتد لثمانية أسابيع، فقد يُعاد فتح المضيق، وفي معظم الأحيان، يأخذ السوق هذا الاحتمال في الحسبان». وإذا حدث ذلك، كما يوضح، فقد تصل كمية كبيرة من النفط فجأة إلى السوق، مما يُحدث فائضاً مؤقتاً. وأضاف: «ستكون حينها تمتلك النفط مباشرةً».

وتاريخياً، لم تكن أسعار العقود الآجلة مؤشراً دقيقاً للمستقبل، لا سيما في أوقات عدم الاستقرار الجيوسياسي. ففي أبريل 2020، وخلال جائحة «كوفيد 19»، أدى انهيار الطلب إلى انخفاض أسعار النفط الخام إلى حوالي 20 دولاراً للبرميل. وفي ذلك الوقت، توقعت أسواق العقود الآجلة تعافياً بطيئاً فقط، حيث بلغ سعر النفط للتسليم بعد عامين حوالي 42 دولاراً. ومع ذلك، بحلول عام 2022، وبعد أن تسبب اشتعال الحرب بين روسيا وأوكرانيا في صدمة في قطاع الطاقة، فقد تجاوز سعر النفط الفعلي 100 دولار.

مع ذلك، يعتقد بعض المحللين أن سوق العقود الآجلة كان مؤشراً أكثر موثوقية خلال الأزمات السابقة من بعض التوقعات التي أدلى بها محللو البنوك. وقال روبن بروكس، الباحث البارز في معهد بروكينغز، إنه عند اندلاع حرب روسيا- أوكرانيا عام 2022، توقعت بعض البنوك أن يصل سعر النفط إلى 400 دولار للبرميل. لكن الأسواق تجاهلت بعض الخطابات المثيرة للذعر.

كما يمكن ملاحظة حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن أسعار النفط في سوق الخيارات، حيث يشتري المتداولون عقوداً تمنحهم الحق، لا الالتزام، بشراء أو بيع النفط بسعر ثابت في المستقبل. وغالباً ما تُستخدم هذه العقود كضمان ضد تقلبات الأسعار الحاد

وقبل الحرب، كان تداول الخيارات التي تسمح للمتداولين بشراء النفط بسعر 150 دولاراً للبرميل نادراً، لأن قلة من المستثمرين اعتقدوا أن الأسعار سترتفع إلى هذا الحد. أما الآن، فإنه يجري بصورة منتظمة تداول العقود المرتبطة بسعر 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للنفط، حيث يسعى المتداولون إلى التحوط ضد احتمال حدوث ارتفاع مطول في الأسعار.

أظهر تحليل أجرته صحيفة فاينانشال تايمز لخيارات التداول في بورصة إنتركونتننتال أن نطاق أسعار النفط المستقبلية المحتملة، كما أشارت إليه السوق، قد اتسع بشكل حاد خلال الحرب، على الرغم من استقرار أسعار العقود الآجلة للنفط نفسها. وبعد 4 أيام من بدء الحرب، أشارت أسواق الخيارات إلى وجود احتمال بنسبة 10 % أن يرتفع سعر النفط فوق 110 دولارات للبرميل بحلول ديسمبر. وبحلول 6 مايو، أشارت النسبة نفسها إلى أن سعر النفط قد يصل إلى 140 دولاراً.

وحسبما يؤكد جيمي ويبستر فإن: «هذا الوقت عصيب، والناس يتوقون إلى شيء يمنحهم اليقين. لقد حان الوقت للاهتمام بكل شيء. والقول بأن الحرب على وشك الانتهاء في غضون شهر، ليس مفيداً على الإطلاق».