إيم ويليامز
تزايد عدد المعترضين على سياساته التجارية داخل الكونغرس والغاضبين بين مجموعات الناخبين
عندما هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بفرض رسوم جمركية على حلفاء الولايات المتحدة في الناتو في نزاع حول غرينلاند في يناير الماضي، اهتزت لندن، وسارع الاتحاد الأوروبي لعقد اجتماعات طارئة، وخرج الآلاف إلى الشوارع في الدنمارك، لكن عندما أعلن، بعد 3 أشهر فقط، عن فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على الدول التي تبيع الأسلحة لإيران، دون «استثناءات أو إعفاءات»، تم تجاهل تصريحه سريعاً. ويعود الاختلاف الرئيس إلى قرار قضائي بشأن الصلاحيات الرئاسية، فبرفضها إعلاناته عن الرسوم الجمركية في «يوم التحرير» لتجاوزها نطاق صلاحياته، قوّضت المحكمة العليا الأمريكية ما كان يُعد، من نواحٍ عديدة، قوة ترامب العظمى أو وسيلته المفضلة للضغط على الدول الأخرى لإخضاعها لإرادته.
يقول مايكل سمارت، المدير الإداري لشركة «روك كريك غلوبال أدفايزرز»، وهي شركة استشارية في واشنطن: «لقد فقد الرئيس شيئاً مهماً بالنسبة له، وهو القدرة على التهديد بفرض رسوم جمركية يوم الجمعة وفرضها يوم الاثنين» كما زادت محكمة أمريكية أخرى من معاناة الرئيس الأسبوع الماضي بإلغاء الرسوم الجمركية العالمية بنسبة 10% التي أعلنها في فبراير كبديل للرسوم التي ألغتها المحكمة العليا. وقد استأنفت الحكومة ضد هذا القرار، والآن، بينما يستعد ترامب للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة طال انتظارها، يحاول ترامب وإدارته استعادة صلاحياته لفرض رسوم جمركية على الواردات من أنحاء العالم لكن مشكلة الرئيس الأمريكي تكمن في تزايد المقاومة داخل الكونغرس، وعدم شعبية هذه الرسوم قبل انتخابات التجديد النصفي الصعبة أصلاً، واحتمال عدم كفاية التدابير البديلة لتوفير هامش المناورة الذي يسعى إليه على الساحة الدولية.
يقول مايرون بريليانت، من مجموعة أولبرايت ستونبريدج، وهي شركة عالمية للاستراتيجية، إن دولاً أخرى بدأت بالفعل التعامل مع واشنطن بقدر أقل من الاحترام بعد قرار المحكمة العليا وأنه رغم أن هذه الدول لا تعيد التفاوض بشكل مباشر على اتفاقياتها التجارية مع ترامب، إلا أنها «تعيد النظر، وتعيد التقييم، وتُعدّل».
ويؤكد مسؤول تجاري آسيوي أن العديد من الدول، وخاصة في جنوب شرق آسيا، تعيد النظر في الاتفاقيات التي أبرمتها تحت وطأة التهديد بفرض تعريفات يوم التحرير، كما يعرب دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي عن شكوكهم في أن ترامب، مع ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة واقتراب انتخابات التجديد النصفي، يملك المناورة السياسية الكافية لرفع التعريفات الجمركية بشكل كبير مرة أخرى؟
يعتمد ترامب الآن على ممثله التجاري، جيمسون جرير، للعمل بسرعة حتى يتمكن من إعادة فرض جميع تعريفات يوم التحرير في أقرب وقت ممكن في يوليو، ويبدو أن ترامب لا يكترث كثيراً بالقيود الاقتصادية، مثل ارتفاع أسعار النفط وارتفاع التضخم، الذي يتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل إلى 3.2% هذا العام، مقارنة مع 2.5% توقعها قبل أن تشتعل الحرب في الشرق الأوسط.
وفي الواقع، لا تزال الرسوم الجمركية - والقدرة على فرضها بشكل فوري تقريباً - في صميم رؤية ترامب للحكومة فقد أطلق على نفسه «رجل الرسوم الجمركية» وأعلن إيمانه برسوم الاستيراد منذ ثمانينيات القرن الماضي، وخلال فترتيه الرئاسيتين، اختبر حدود ما يمكن أن تحققه الرسوم الجمركية سواء لإعادة التوازن إلى الاقتصاد وإنعاش الصناعة الأمريكية، أو لجمع عشرات التريليونات من الدولارات من الإيرادات، أو لتعزيز سلطة الولايات المتحدة ورئيسها.
في 2025، بلغت التجربة ذروتها؛ فقد امتلك ترامب ما بدا كأنه قدرة غير محدودة تقريباً على فرض رسوم جمركية باهظة على البضائع من أي دولة، وفي يوم التحرير كشف عن رسوم استيراد تتراوح بين 49% على كمبوديا و20% على دول الاتحاد الأوروبي، و10% على جزيرتي «هيرد» و«ماكدونالد» اللتين لا تسكنهما سوى طيور البطريق. وبعد أيام قليلة، أعلن أن الرسوم الجمركية على الصين سترتفع إلى 145%، لكن جاءت الحاجة للمراجعات والتراجعات، فقد تفاوضت الإدارة على اتفاقيات مع الحلفاء والخصوم، وعلّقت وتراجعت عن الرسوم الجمركية التي تسببت في انهيار أسواق الأسهم. وفي أكتوبر، توصل الرئيس الصيني إلى اتفاق مع ترامب لوقف إطلاق النار في الحرب التجارية، بعد أشهر فرضت خلالها بكين رسوماً جمركية مماثلة للرسوم الأمريكية، بالإضافة إلى فرض قيود جديدة على العناصر الأرضية النادرة.
وفي فبراير الماضي، أبطل حكم المحكمة العليا معظم الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس خلال ولايته الثانية، ومع ذلك، فقد غيّر ترامب وجه السياسة التجارية الأمريكية بدرجة كبيرة. فطبقاً لحسابات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ارتفع متوسط معدل الرسوم الجمركية العام الماضي من 2.6% إلى 13%، على الرغم من أن التقديرات قد تختلف تبعاً لعدة عوامل منها عدد المعدلات التي تأخذ في الحسبان الإعفاءات والبدائل. وأضاف البنك إن حوالي 90% من التكلفة قد تم تحميلها على الشركات والمستهلكين الأمريكيين.
ويرى العديد من الاقتصاديين أنه من غير المنطقي توقّع أن تقضي هذه الرسوم على العجز التجاري أو أن تُنعش الصناعة الأمريكية ويقولون إنه طالما استمرت الولايات المتحدة في تسجيل عجز ضخم في الميزانية، فسيؤدي ذلك إلى انخفاض المدخرات، وستحتاج بالضرورة إلى رؤوس أموال أجنبية وإلى الاستيراد أكثر مما تصدر.
ويؤكد جرير، الممثل التجاري لترامب، أن هذه السياسة ناجحة، حيث صرح أمام الكونغرس في أبريل بأن العجز التجاري قد انخفض خلال الاثني عشر شهراً الماضية منذ يوم التحرير، وأن وظائف التصنيع والأجور في الولايات المتحدة قد ارتفعت. وقال: «نحن نصدر اليوم أكثر من أي وقت مضى، وعمالنا يبذلون جهداً أكبر ويتقاضون أجوراً أعلى مقابل ذلك. نحن نعلم أننا نجحنا». ومع ذلك سجل عجز السلع الأمريكي مستوى قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار لعام 2025 ككل، رغم تراجع التجارة مع الصين. وظل قطاع التصنيع عند حوالي 9% من الناتج المحلي الإجمالي، منخفضاً عن 13% قبل نحو عقدين من الزمن، وبينما جمعت الرسوم الجمركية حوالي 130 مليار دولار للحكومة الأمريكية منذ بداية السنة المالية الأخيرة في أكتوبر، فإنه من غير الواضح مقدار المبلغ الذي سيتعين رده بعد قرار المحكمة العليا. كذلك فقد ترامب - على الأقل في الوقت الراهن - جزءاً كبيراً من صلاحياته التقديرية في ما يتعلق بالتعريفات الجمركية التي رفضتها المحكمة العليا، والتي كانت تستند إلى قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية الأمريكي لعام 1977.
من ناحية أخرى، بات الكونغرس غير راضٍ وأبلغ العديد من الأعضاء الجمهوريين في مجلس النواب «فايننشال تايمز» أن المخاوف بشأن سياسة ترامب المتعلقة بالتعريفات الجمركية تتزايد وهذا أمر بالغ الأهمية لأن أحد السبل لتوسيع أو إعادة تفعيل الصلاحيات التجارية لترامب يمر عبر الكابيتول هيل.
وقال دان نيوهوس، ممثل ولاية واشنطن، إن قرار المحكمة العليا يمنح الكونغرس «نفوذاً أكبر على أنشطة الرئيس وأعتقد أن هذا أمر جيد، فلم أكن يوماً من المؤيدين للإفراط في استخدام الرسوم الجمركية». ومثل نيوهوس، صوّت جيف هيرد، عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية كولورادو، هذا العام ضد الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على كندا. وفي إشارة محتملة إلى تراجع نفوذ الرئيس، هاجم ترامب هيرد في البداية بسبب تصويته، لكنه أيّد حملته لإعادة انتخابه لاحقاً. وقال هيرد: «لا يوجد سوى عدد قليل منا ممن أعلنوا موقفهم علناً، لكنني أعلم أن هناك عدداً آخر يتفقون معنا سراً».
ويشير دون بيكون، ودائرته الانتخابية في نبراسكا، إلى أن أغلبية الجمهوريين في الكونغرس يعارضون الرسوم الجمركية في جوهرهم. ويقول: «معظم الجمهوريين في مجلس النواب يعارضون الرسوم الجمركية».
والسؤال المهم الآن هو إلى أي مدى سيستمر الجمهوريون في الكونغرس في منح سياسة ترامب التجارية، التي تُشكّل تهديداً كبيراً، هامشاً إضافياً قبل انتخابات التجديد النصفي، ففي استطلاعات الرأي العامة للكونغرس، يتقدم الديمقراطيون بخمس نقاط مئوية.
وهكذا، فإن التوقيت غير مواتٍ بالمرة. وحتى لو افترضنا أن الرسوم الجمركية ستصمد أمام التدقيق القانوني، فإن الرسوم البديلة بنسبة 10% التي فرضها ترامب بعد هزيمته في المحكمة العليا ستنتهي صلاحيتها بعد 150 يوماً، ما لم يصوّت الكونغرس على تمديدها، وقد يُترجم ذلك إلى عمليات تصويت بارزة على رسوم جمركية غير شعبية قرب نهاية يوليو، بالتزامن مع اشتداد المنافسة الانتخابية.
وبالفعل، تكمن المشكلة الكبرى في الاقتصاد، حيث تسجل شعبية ترامب تدنياً ملحوظاً. ففي أبريل، لم تتجاوز نسبة تأييد إدارته الاقتصادية 30%، متراجعة عن 38% في مارس وفقاً لاستطلاعات رأي أجرتها وكالة أسوشيتد برس وجامعة كاليفورنيا. ويرى أقل من ربع الناخبين أن ترامب يتعامل مع أزمة غلاء المعيشة بشكل جيد. كذلك، فإنه وفقاً لاستطلاع رأي منفصل أجرته شبكة سي إن إن، فإن أكثر من 60% من العامة يرفضون فرض الرسوم الجمركية.
ومن أكبر مشاكل سياسات ترامب الجمركية هو تأثيرها في قطاع الأعمال، وبالتالي في سوق الأسهم الذي يحتفي بارتفاعاته ويسعى لتجنب انخفاضاته.
يقول أحد رجال الأعمال عن إدارة ترامب: «لطالما كانوا منفتحين جداً على الشركات التي تتقدم إليهم قائلةً: لدي مشكلة كبيرة هنا. هل يمكنكم حلها؟»، وهم «لا يحبون تسميتها استثناءات، ويقولون: لا تستخدموا كلمة استثناءات، بل هي مجرد تعديلات طفيفة».
وعلى سبيل المثال، أصدرت الإدارة الشهر الماضي إعلاناً طال انتظاره بشأن رسوم استيراد الأدوية، والذي تضمن معدلاً رئيساً قدره 100%، لكنه تضمن استثناءات كثيرة للشركات والدول، ما يعني أن الغالبية العظمى من الأدوية ستخضع لضرائب ذات معدلات أقل بكثير. كما خفضت الإدارة مؤخراً الرسوم الجمركية على المنتجات الاستهلاكية المتضررة من رسوم الصلب والألمنيوم، مثل الدراجات النارية وقطع الأثاث ومعدات الصالات الرياضية، وتدرس خفض الرسوم على الرقائق المستوردة من تايوان. لكن تعقيد أنظمة الرسوم الجمركية الحالية يزيد من إحباط الشركات، حيث يتعين عليها الآن استخدام مجموعة من القوانين المتخصصة للامتثال للتعريفات الجمركية والتأهل للإعفاءات، فضلاً عن حساب القيمة في مختلف مراحل عملية الإنتاج وتتبع منشأ الأجزاء. ولا يقتصر استياء قطاع الأعمال على تعقيد نظام التعريفات الجمركية الناشئ الذي وضعه ترامب، بل يتأثر به أيضاً هو نفسه بشدة، حيث يستخدم ترامب حالياً مجموعة من القوانين الغامضة والإجراءات البيروقراطية لشن حربه التجارية. لكن هذه الإجراءات نفسها، وما تتضمنه من شروط، تعني أنه لم يعد قادراً على وضع سياسة تجارية بسرعة فائقة.
رغم ذلك كله، ففي بعض المجالات، لا يزال ترامب يتمتع ببعض الصلاحيات. وخلال الأسبوع الماضي، هدد الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم جمركية «أعلى بكثير» إذا لم يُفعّل اتفاقه مع الولايات المتحدة، الذي أُبرم بعد يوم التحرير، بحلول 4 يوليو. كما لا يزال بإمكان الرئيس الأمريكي فرض رسوم أعلى على منتجات مثل السيارات وأشباه الموصلات، حيث تُفرض الرسوم بموجب سند قانوني مختلف عن ذلك الذي أبطلته المحكمة العليا. وتخضع هذه المجالات للمادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، والتي تسمح للرئيس بفرض رسوم على قطاعات محددة لأسباب تتعلق بالأمن القومي. لكن في مجالات أخرى، تُعدّ العملية أكثر تعقيداً وبيروقراطية من سياسة الرسوم الجمركية المرنة التي اعتمدها ترامب لممارسة سلطته خلال معظم فترة ولايته الثانية.
