كيف تسير الحياة اليومية من دون استخدام التكنولوجيا الأمريكية؟

باولا تاما - باربرا موينز

لم يتفاجأ نيكولاس غيو بالمرة عندما أصبح هدفاً للعقوبات الأمريكية في أغسطس 2025. فبصفته قاضياً في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، أصدر غيو مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة. وأيضاً قبل ذلك بأشهر، استُهدف بعض زملائه في المحكمة بعقوبات مماثلة من الولايات المتحدة.

كانت الصدمة في واقع الأمر تكمن في نطاق العقوبات وتداعياتها. يقول غيو: «لم يكن واضحاً لي في ذلك الوقت مدى الاضطراب الذي يمكن أن تُحدثه مثل هذه العقوبات في حياتنا اليومية».

في غضون أيام، انقطعت عنه جميع الخدمات التي تعتمد على الشركات الأمريكية. لم يعد بإمكانه استخدام بطاقة ائتمان أمريكية، واضطر بدلاً من ذلك إلى الاعتماد على النقد وأنظمة الدفع المحلية مثل «آي ديل» في هولندا لإجراء المعاملات عبر الإنترنت.

كما لم تتم الكثير من التحويلات البنكية. وأُلغيت حجوزاته الفندقية على موقعي «بوكينج.كوم» و«إكسبيديا». ولم يتمكن من استئجار دراجة من برنامج «فيليب متروبول» التابع لبلدية باريس، لأنه تطلب ضماناً ببطاقة ائتمان. وأُعيدت الطرود التي سلمتها شركة يو بي إس إلى المرسل. وحاولت شركة التأمين الصحي الخاصة به قطع خدماته. ويوضح: «إن إدارات الامتثال تخشى بشدة أي عواقب محتملة في الولايات المتحدة. لذلك، فضلت تجنب أي شكل من أشكال المخاطرة».

وبالنسبة للمسؤولين الأوروبيين، تُعد تجربة غيو مثالاً صارخاً لنقطة ضعف واسعة النطاق: مدى سرعة وقدرة الولايات المتحدة على تعطيل الحياة اليومية خارج حدودها باستخدام ما يُسمى بـ«مفاتيح الإيقاف» - أي قطع أنظمة التكنولوجيا والدفع الأمريكية فجأة عن المستخدمين في أوروبا.

وغالبا ولدى كثيرين، اعتُبرت فكرة أن تقطع أمريكا خدماتها عن الاتحاد الأوروبي - أو تستخدم الوصول إليها كورقة ضغط لتحقيق أهداف أخرى - فكرةً مستبعدة، لكنها أصبحت أقل استبعاداً منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى منصبه العام الماضي، وإعلانه بوضوح عن استيائه من حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين التقليديين.

ويُمثل استخدام الخدمات كسلاح تصعيداً واضحاً للنزاعات التجارية حول السلع، وستكون له بكل تأكيد تداعيات هائلة على كلا الجانبين. ولعقود طويلة، اتسمت العلاقة الاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة بتكامل عميق: تدفق السلع غرباً عبر المحيط الأطلسي، وعودة الخدمات في الاتجاه المعاكس. ولذلك، بلغ فائض الاتحاد الأوروبي في السلع عام 2023 نحو 156.6 مليار يورو، بينما بلغ عجزه في الخدمات في العام نفسه 108.6 مليارات يورو.

ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، تنظر العديد من عواصم الاتحاد الأوروبي إلى هذا الترابط على أنه نقطة ضعف يجب تعزيزها بأسرع وقت ممكن. وفي هذا السياق، يقول دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى، مشيراً إلى مدى اعتماد أوروبا على الخدمات الأمريكية: «الولايات المتحدة هي صاحبة اليد العليا في هذا المجال، وهي تدرك ذلك تماماً».

ويتجلى هذا الاعتماد بوضوح في الاقتصاد الرقمي، حيث لم تُنشئ أوروبا شركة تكنولوجية عملاقة خاصة بها، رغم محاولاتها الدؤوبة للقيام بذلك لأكثر من عقد من الزمان. ولذلك، يبحث العديد من صناع السياسات الأوروبيين، بإلحاح متزايد، عن بدائل لشركات التكنولوجيا والتمويل الأمريكية العملاقة التي تُشكل ركيزة اقتصاد التكتل.

في بعض القطاعات المحددة، تتمتع أوروبا بميزة تنافسية، وتسيطر بالفعل على نقاط اختناق حيوية في سلسلة التوريد التقنية العالمية، ولعل أبرز مثال لذلك شركة «إيه إس إم إل» الهولندية التي تهيمن على سوق معدات الطباعة الحجرية اللازمة لإنتاج الرقائق المتطورة، وتستخدمها شركات تصنيع مثل إنتل وشركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات، التي تزود شركة إنفيديا.

كما تعتمد الولايات المتحدة على أوروبا بطرق أقل وضوحاً، حيث تلعب شركات الاتصالات الأوروبية، بما فيها نوكيا وإريكسون، دوراً رئيسياً في البنية التحتية لشبكات الهاتف المحمول العالمية. ويقول ألكسندر رور، من جمعية صناعة الحواسيب والاتصالات، التي تضم في عضويتها العديد من شركات التكنولوجيا الكبرى: «الاعتماد متبادل، فلو حاولت الولايات المتحدة الانفصال عن مصممي الرقائق الأوروبيين مثل «إيه إس إم إل» أو موردي شبكات الهاتف المحمول مثل نوكيا وإريكسون الذين يدعمون شبكات الاتصالات الأمريكية، سيكون التأثير على الاقتصاد الأمريكي بالغ الخطورة».

في المقابل، فإن سلاسل التوريد نفسها مترابطة ترابطاً وثيقاً، حيث تعتمد شركة «إيه إس إم إل» على مكونات من الولايات المتحدة، التي يتواجد بها نحو 20% من قوتها العاملة. وهكذا، فإن هذا النوع من الترابط يجعل التصعيد صعباً ومكلفاً، وهو أحد الأسباب التي تدفع أوروبا إلى محاولة تقليص نقاط ضعفها.

وفي القطاع المالي، يُسرّع صناع السياسات العمل على بدائل دفع أوروبية شاملة للأنظمة الأمريكية مثل فيزا وماستركارد. ويستهدف أحد هذه البدائل، بقيادة تحالف من البنوك، الوصول إلى هدف «شبكة مدفوعات سلسة عبر الحدود في جميع أنحاء أوروبا بحلول عام 2027»، ولكن للأسف في 13 دولة فقط حتى الآن.

وهناك أيضاً إجراء ذو صلة، بقيادة البنك المركزي الأوروبي، وهو اليورو الرقمي، الذي سيُكون مقبولاً قانونياً في جميع أنحاء منطقة العملة الموحدة التي تضم 21 دولة، لكن هذا المقترح يخضع لمفاوضات شاقة في البرلمان الأوروبي، ومن غير المرجح أن يُفعّل قبل عام 2029. وتقول أورور لالوك، رئيسة اللجنة الاقتصادية بالبرلمان الأوروبي: نحن بحاجة إلى المضي قدماً فيما أسميه «إيرباص المدفوعات».

وهناك خيار آخر مؤثر لكنه ينطوي على مخاطر أكبر، وهو تقييد وصول شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى إلى الأسواق الأوروبية، إذ تعتمد إيراداتها وقيمتها السوقية على 450 مليون مستهلك أوروبي، أغنى وأكبر سوق خارج الولايات المتحدة.

وفي ذروة أزمة غرينلاند هذا العام، حين هدد ترامب بالاستيلاء على الإقليم الدنماركي بالقوة، أفاد دبلوماسيون بأن غالبية دول الاتحاد الأوروبي فضّلت استخدام إجراء يُعرف باسم «أداة مكافحة الإكراه»، أو ما يُعرف شعبياً بـ«البازوكا»، والذي يسمح للاتحاد الأوروبي باستهداف واردات الخدمات، لكن يبقى الاتحاد الأوروبي منقسماً حول هذه المسألة، حيث تدعم فرنسا هذا الإجراء، بينما تحذر دول أخرى، بقيادة ألمانيا، من سلبياته المحتملة. لقد زاد الإدراك مؤخراً بحجم اعتماد أوروبا على شركات التكنولوجيا والخدمات الرقمية الأمريكية بين المواطنين وصناع القرار، بل ومن المرجح أن يزداد هذا الاعتماد مع انطلاق ثورة الذكاء الاصطناعي. فمن المتوقع أن تمنح القدرة الحاسوبية، والوصول إلى المستخدمين، والبيانات المتاحة، الولايات المتحدة مزيداً من المزايا في هذا السباق.

ولذلك، يخلص غيلو، القاضي العامل بالمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي إلى القول: «تدرك مدى اعتمادك الكبير على هذه الأشياء، وكيف أن شيئاً أو أشياء تعتقد أنك تسيطر عليها ليست في واقع الأمر تحت سيطرتك على الإطلاق».