جون ثورنهيل
وسط مدينة سان فرانسيسكو - وفي عشر مدن أمريكية أخرى - يمكنك الآن وبسهولة طلب سيارة أجرة «وايمو» ذاتية القيادة عبر هاتفك.
ويقول الراكب الذي يخوض التجربة للمرة الأولى إن الأمر يستغرق عادةً نحو دقيقتين للخروج من حالة الدهشة.
وقد تبدو مشاهدة عجلة القيادة وهي تدور دون سائق بشري في البداية أشبه بالسحر، لكن سرعان ما يزول هذا الشعور عند كثيرين.
ويمكن أيضاً خوض تجربة مماثلة في مدينة ووهان وأكثر من 20 مدينة صينية أخرى، حيث يمكنك ركوب إحدى سيارات أجرة «أبولو جو» الروبوتية من شركة «بايدو».
وسيصبح بمقدور الركاب في لندن قريباً مقارنة الخدمات الأمريكية والصينية المتنافسة عندما تُجري كلتا الشركتين تجارب على السيارات ذاتية القيادة في العاصمة البريطانية ذات الطرق المتعرجة في وقت لاحق من العام الجاري.
كما تخطط شركة «وايف» الناشئة، ومقرها لندن، لإجراء اختباراتها الخاصة على السيارات ذاتية القيادة بالشراكة مع «أوبر».
ومع ذلك، يُظهر التاريخ أن الشركات التي تمتلك أفضل التقنيات لا تفوز بالسباق تلقائياً؛ بل غالباً ما تفوز الشركات القادرة على نشر تقنيات مماثلة بسرعة وعلى نطاق واسع بتكلفة تنافسية. ويشير تقرير حديث صادر عن مشروع الدراسات التنافسية الخاصة (SCSP) إلى أن الشركات الأمريكية لا تزال تتمتع بريادة كبيرة في مجال الابتكار بعالم السيارات ذاتية القيادة، لكن منافسيها الصينيين يتقدمون بخطى حثيثة في سباق نشر هذه الخدمة.
وبينما تغلب الباحثون الأمريكيون على العديد من مشكلات الموثوقية والسلامة المرتبطة بالذكاء غير المتجانس للذكاء الاصطناعي، يعمل المشغلون الصينيون بسرعة على تذليل عقبات التبني غير المتجانس للخدمة، وتجنب تباين الإجراءات التنظيمية.
ويشير التقرير إلى أن مزايا الصين تكمن في المجالات الصناعية والتنظيمية والبشرية، إذ تُصنّع الشركات الصينية الرائدة
90 % من بعض أهم مكونات الصناعة، مثل أنظمة استشعار الليزر (ليدار)، ما يقود إلى وفورات هائلة في الإنتاج. وتبلغ تكلفة سيارة الأجرة ذاتية القيادة في الصين حوالي 40 ألف دولار. أما في الولايات المتحدة، فيتراوح سعرها بين 130,000 و200,000 دولار.
كذلك، فقد ساهم النظام التنظيمي الأبسط في الصين في تسهيل نشر سيارات الأجرة ذاتية القيادة، ما أتاح جمع المزيد من البيانات لتحسين تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في هذا الميدان. في المقابل، اعتمدت 31 ولاية أمريكية قوانين خاصة بالمركبات ذاتية القيادة، ما أدى إلى تباين في اللوائح التنظيمية يُصعّب الامتثال لها.
وقد تكيّف النظام التعليمي الصيني بسرعة مع متطلبات هذه الصناعة الناشئة، حيث يُخرّج هذا النظام باستمرار كوادر متخصصة في هندسة الروبوتات. كما أن إدارة «الشبكة البشرية» من عمال الصيانة وموظفي دعم العملاء، الذين يُشكّلون أساس هذه الصناعة، أقل تكلفة بكثير في الصين.
وهناك أيضاً اختلاف واضح في مستوى تقبّل المخاطر بين البلدين، فبينما عبر 35 % فقط من الأمريكيين عن استعدادهم لتجربة خدمة سيارة ذاتية القيادة، فإن 60 % من المستهلكين الصينيين سيفعلون ذلك.
ومع ذلك، فقد علّقت الصين مؤخراً إصدار تراخيص جديدة للسيارات ذاتية القيادة بعد تعطل أكثر من 100 سيارة أجرة من طراز «أبولو جو» في ووهان خلال شهر مارس فقط.
كما أن هناك احتجاجات متزايدة من سائقي سيارات الأجرة المحليين على المنافسة القوية المتوقعة من السيارات ذاتية القيادة، وهو ما قد يُبطئ من انتشار الخدمة في المدن الصينية.
من ناحية أخرى، تشدد شركة وايمو، التابعة لشركة ألفابت، على أهمية السلامة في الولايات المتحدة، مع الإشارة إلى أن أكثر من 120 شخصاً يلقون حتفهم يومياً في حوادث السيارات في الولايات المتحدة.
وكتب جوناثان سلوتكين، جراح الأعصاب، في صحيفة نيويورك تايمز: حان الوقت للتوقف عن اعتبار القيادة الذاتية مشروعاً تقنياً طموحاً للغاية، والبدء بالتعامل معها كتدخل جديد له ارتباطاته بمجال الصحة العامة.
وحتى الآن، يُعد سجل وايمو في مجال السلامة مثيراً للإعجاب مقارنةً بشركات أخرى مثل تسلا.
فقد قطعت سيارات الأجرة ذاتية القيادة التابعة لوايمو مجتمعةً أكثر من 200 مليون ميل دون وقوع أي وفيات. لكن ينبغي التعامل مع هذه البيانات بحذر، إذ إن معظم هذه الأميال المقطوعة كانت في مدن ذات طقس جميل وبسرعات منخفضة على طرق محددة مسبقاً.
كما أن مجموعات البيانات الصغيرة نسبياً قد تتأثر بأحداث مأساوية فردية. ولنتذكر أن طائرة الكونكورد كانت الأكثر أماناً بين الطائرات التجارية لمدة 24 عاماً. ثم أصبحت إحصائياً الأكثر خطورة بين عشية وضحاها بعد أول حادث كارثي لها عام 2000.
وكما يقترح برنامج سلامة النقل في لندن، فإنه ينبغي للحكومات حول العالم بذل المزيد من الجهود لوضع قواعد مرور وطنية - أو دولية إن أمكن - من شأنها تسهيل العملية التنظيمية للسيارات ذاتية القيادة. كما يمكنها فرض معايير عالية للشفافية وتطبيق إجراءات اختبار وأمن صارمة لتعزيز ثقة الجمهور.
وعلى أية حال، من المتوقع ألا يصبح قطاع السيارات ذاتية القيادة سوقاً احتكارياً بالكامل. فمن الممكن أن تزدهر عدة شركات، بتقنيات ونماذج أعمال مختلفة. وقد يُجري المستهلكون في الأسواق المختلفة مفاضلات متنوعة بين الراحة والسعر والسلامة المتصورة.