إدارة ترامب تصبح عدو نفسها الأكبر مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي

مايلز ماكورميك

خلال حملته الانتخابية عام 2024 ربما كان التضخم نقطة قوة دونالد ترامب الأبرز، إذ لقي وعده بمعالجة غلاء المعيشة المتفشي استحسان الكثير من الناخبين، لكن بعد عامين أصبح التضخم نقطة ضعفه الأكبر، مع اجتياح موجة تضخمية للولايات المتحدة.

وبالنسبة للرئيس الأمريكي تتفاقم المشكلة، لأن العديد من الناخبين يلومونه على ضغوط الأسعار، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الحاسمة، وهم محقون في ذلك.

وقد أطاحت صدمات أسعار النفط بالفعل العديد من أسلاف ترامب، من جيمي كارتر إلى جو بايدن، لكن لم تكن هذه الصدمات من صنع أيديهم (على الأقل ليس بشكل مباشر)، لكن على النقيض من ذلك، وبخوضها حرباً غير ضرورية، فتحت إدارة البيت الأبيض الباب أمام التضخم.

وقفز التضخم في الولايات المتحدة إلى 3.3% في مارس، وهو أعلى مستوى له منذ عامين، ويتوقع خبراء اقتصاديون في وول ستريت أن يستمر ارتفاع أسعار الطاقة في مايو كما أبريل، وأن ذلك سيترك أثراً بالغاً على الاقتصاد الأمريكي حتى في حال حل الصراع في الشرق الأوسط قريباً.

أدى قرار ترامب بشن الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية، مدفوعاً بإغلاق إيران لمضيق هرمز، وحصار الولايات المتحدة له، ولذلك فقد ارتفع سعر خام برنت، المعيار الدولي، بنحو 40% منذ بدء الصراع في أواخر فبراير.

وفي الولايات المتحدة تسبب ذلك في أكبر ارتفاع في أسعار الوقود بين اقتصادات مجموعة السبع (وهو أمر يعود إلى انخفاض الضرائب الأمريكية على الوقود، ما يجعل الأسعار أكثر استجابة لتغيرات أسعار النفط).

وأدى ارتفاع سعر البنزين بأكثر من 50% إلى إثارة غضب سائقي السيارات الذين يستهلكون كميات كبيرة من الوقود، وارتفع سعر الديزل - عصب الاقتصاد الأمريكي - بنسبة مماثلة، وهو على وشك تسجيل مستويات قياسية، وحذر خبراء اقتصاديون من أن دور هذا الوقود في الزراعة والنقل بالشاحنات يعني أن هذه التكاليف ستنتقل إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد في الأشهر المقبلة.

وبموازاة ذلك ارتفع سعر وقود الطائرات بأكثر من 70%، وهو ارتفاع انعكس على أسعار تذاكر الطيران، وأدى إلى إفلاس شركة الطيران الأمريكية منخفضة التكلفة «سبيريت إيرلاينز»، كما ارتفعت تكاليف الأسمدة بأكثر من 30%، ما زاد الضغط على المزارعين.

وحتى قبل اشتعال الصراع في الشرق الأوسط، دفعت سياسات الرئيس التجارية العدوانية بتكاليف الواردات إلى الارتفاع، وكانت السيارات والملابس والأثاث من بين السلع التي شهدت أكبر الزيادات مع تزايد تأثير الرسوم الجمركية على المستهلكين.

وقد حذر اقتصاديون، ومنهم كريس والر، المحافظ بمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، من أن هذه الصدمة المزدوجة المتمثلة في صدمات الأسعار الناتجة عن كل من الطاقة والتعريفات الجمركية قد تتضافر لإبقاء التضخم مرتفعاً «لفترة طويلة».

ولا يمكن أن ننسى أسعار المواد الغذائية، التي تأثرت بالفعل بالرسوم الجمركية، وستتأثر قريباً بارتفاع أسعار الأسمدة - والكهرباء - حيث أدى هجوم إدارة ترامب على مصادر الطاقة المتجددة إلى تقليص العرض، في الوقت الذي تؤدي فيه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي المستهلكة للطاقة إلى زيادة الطلب.

وفي قطاع الإسكان، رفعت التعريفات الجمركية تكاليف مواد البناء، بينما أدت حملة الولايات المتحدة الصارمة على الهجرة إلى تقليص المعروض من العمالة في قطاع البناء.

لذلك فإنه عندما يتعلق الأمر بأزمة القدرة على تحمل تكاليف المعيشة في أمريكا فإن إدارة ترامب تعد، من نواحٍ عديدة، عدو نفسها الأكبر. ويعلم الرئيس الأمريكي أن غلاء المعيشة هو ما يحسم الانتخابات (وقد فاز بفضله في هذه الانتخابات)، ومع ذلك فقد أغفل هذا الموضوع، مانحاً خصومه الأفضلية.

ومما يؤكد تداعيات ذلك، أن شعبية ترامب قد انخفضت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، فقد أظهر استطلاع رأي، أجرته «ايه بي سي نيوز» و«واشنطن بوست» و«إبسوس» هذا الأسبوع أن 62% من الناخبين غير راضين عن أداء ترامب، وهي أسوأ نسبة له حتى الآن.

وفي الوقت نفسه بلغت نسبة عدم الرضا عن إدارته للاقتصاد 65%، ومن الشائع في مثل هذه الأوقات الاستشهاد بمقولة الاستراتيجي الديمقراطي جيمس كارفيل الشهيرة: «إنه الاقتصاد يا غبي»، أو بتعبير أدق هنا: «إنه التضخم يا غبي».

مع ذلك لا يمكن القول إن كل الأخبار سيئة، فالعديد من قطاعات الاقتصاد الأمريكي تشهد أداء جيداً، حيث يصدّر الأمريكيون النفط بكميات غير مسبوقة، محققين عائدات بلغت 214 مليار دولار في مارس، وفقاً لأرقام صدرت هذا الأسبوع.

وتضخ شركات الحوسبة السحابية العملاقة رؤوس أموال ضخمة في توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي، ما يسهم في استمرار ازدهار الاستثمارات التجارية. ويواصل سوق الأسهم صعوده، ما يساعد الأمريكيين الأثرياء على مواصلة الإنفاق، لكن، كما قال وزير سابق في الحكومة الأيرلندية:

«انخفاض عوائد السندات لا يُحسن الوضع»، وينطبق الأمر نفسه على ازدهار الصادرات، وتزايد الاستثمارات، وارتفاع أسعار الأسهم، فبالنسبة للأغلبية العظمى من الناخبين تعد تكلفة ما يدفعونه مقابل السلع اليومية أهم بكثير من هذه المؤشرات الاقتصادية الأخرى، والأسعار في الولايات المتحدة تواصل الارتفاع، بالتأكيد.