اختلالات التوازن الاقتصادي العالمي تعود إلى الواجهة مجدداً

مارتن وولف

«مجدداً؟ ألم نناقش هذا الموضوع مؤخراً؟» هكذا يبدأ الفصل الأول من مجموعة مقالات نشرها مركز أبحاث السياسات الاقتصادية بعنوان «اختلالات التوازن الاقتصادي العالمي الجديدة». نعم، لقد فعلنا. ناقشنا ذلك بالفعل في ثمانينيات القرن الماضي، وفي العقد الأول من الألفية الثانية.

والآن، مرة أخرى، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. ولذلك، يبدو أن هذه القضية تعود إلى الواجهة مرة كل عشرين عاماً تقريباً. وذلك لسببين رئيسيين:

-أولهما أن اختلالات الحساب الجاري تُغذي النزعة الحمائية.

-ثانيهما أنها تُنذر بأزمة مالية.

في ثمانينيات القرن الماضي، تصاعدت النزعة الحمائية ضد اليابان، التي شهدت أيضاً الأزمة المالية. وفي العقد الأول من الألفية الثانية، عصر «صدمة الصين»، بدأت النزعة الحمائية تتصاعد ضد الصين، وضربت أزمة مالية العالم الغربي. في العقد الحالي، باتت الحمائية الاقتصادية حاضرة بقوة، لا سيما في الولايات المتحدة، لكن الأزمة المالية لم تبدأ بعد، أو على الأقل لم تظهر حتى الآن.

يرى العديد من الاقتصاديين اليوم أنه إذا ما وقعت أزمة، فمن المرجح أن تنطلق من الولايات المتحدة، ولذا، يذكر مؤلفا الفصل الأول المذكور أعلاه، بياتريس ويدر دي ماورو وجيرومين زيتلماير، أن «حجم الالتزامات الخارجية للدولة المركزية في النظام المالي العالمي مرتفع بالفعل، ومن المتوقع أن يرتفع أكثر. وفي الوقت نفسه، يتزايد تركز انكشافات مديري الأصول، وتتضخم تقييمات الأسهم، وتظهر بوادر قلق المستثمرين، مع بذل جهود أكبر للتحوط من المخاطر».

لذلك، يجب الحذر، بل الحذر الشديد، لكن، ما مدى تشابه الظروف الحالية مع تلك التي سادت قبل عقدين من الزمن؟ وما الذي قد يسوء؟ وما العمل؟ وكيف يمكن أن ينتهي الوضع الراهن؟

الإجابة على السؤال الأول هي أن هناك أوجه تشابه واختلاف. ومن أوجه التشابه أن الاقتصادات الرئيسية التي تحقق فائضاً وعجزاً هي نفسها، فالصين، والدول الأوروبية الدائنة (خاصة ألمانيا)، واليابان، ومنتجو النفط، لا تزال هي الدول الرئيسية التي تحقق فائضاً، بينما الولايات المتحدة هي الدولة الرئيسية المقترضة. في الوقت نفسه، فإن فائض الصين المعلن عنه هو نفسه تقريباً في حجمه الحالي مقارنةً بالاقتصاد العالمي كما كان عليه في عام 2008، رغم أنه يمثل الآن نسبة أقل بكثير من ناتجها المحلي الإجمالي، نظراً لأن الحجم النسبي لاقتصادها قد تضاعف أكثر من مرتين.

وأحد الاختلافات هو أن الدول الأوروبية التي كانت تعاني من عجز تحقق الآن فائضاً طفيفاً. ومن الاختلافات الأكثر أهمية أن صافي التزامات الولايات المتحدة بلغ 24% من الناتج العالمي في عام 2024 مقابل 6% فقط في عام 2008، وأن القطاع الخاص الأمريكي قد حقق توازناً. لذلك، فإن المقابل المحلي لعجزها الخارجي اليوم هو الاقتراض من جانب الحكومة الأمريكية.

إذاً، ما الذي يمكن أن يسوء في نهاية المطاف؟ إحدى الإجابات هي الحمائية، فجزء مما نشهده اليوم هو تداعيات الصدمة الصينية الأولى على السياسة الأمريكية المعاصرة، والتي تتجلى الآن في نهج دونالد ترامب الحاد تجاه الرسوم الجمركية. وجزء آخر هو تأثير نجاح الصين في الصناعات التحويلية المتقدمة، لا سيما في مواجهة أوروبا.

وكما أكد الاقتصادي الأمريكي مايكل بيتيس منذ زمن، فإن التجارة والحمائية والتمويل مترابطة ترابطاً وثيقاً. فإذا كانت نسبة استهلاك الأسر في الناتج المحلي الإجمالي لدولة ما منخفضة للغاية (40% في حالة الصين)، فستكون نسبة مدخراتها في الناتج المحلي الإجمالي مرتفعة جداً أيضاً. وبالتالي، يجب استيعاب فائض المدخرات في الخارج، لا سيما بعد انهيار البديل المتمثل في ازدهار سوق العقارات المحلي (كما حدث في اليابان في ثمانينيات القرن الماضي والصين في العقد الثاني من الألفية).

وإذا أرادت دولة ما تصدير فائض مدخراتها، فعليها إنتاج فائض من السلع القابلة للتداول. وفي حالة الصين، يعني ذلك الصناعات التحويلية. وباختصار، فإن الفائض التجاري للصين البالغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي ليس نتاجاً للتنافسية فحسب، بل هو أيضاً نتاج لاختلالات اقتصادها الكلي. علاوة على ذلك، إذا كانت الصين تمتلك فوائض ادخار ضخمة، فلا بد أن تعاني دول أخرى من عجز يقابلها. والولايات المتحدة هي الدولة الأكثر جدارة ائتمانية في العالم، وبالتالي فهي بطبيعة الحال أكثر المقترضين أماناً.

وعموماً، فإنه «إذا لم يستطع شيء ما الاستمرار إلى الأبد، فسيتوقف» وهذا ما يُعرف بقانون شتاين (نسبةً إلى الاقتصادي الأمريكي الراحل هربرت شتاين). ولإيقاف هذا الأمر بحكمة، على صانعي السياسات التخلص من بعض الأفكار الخاطئة، ومنها الاعتقاد بإمكانية القضاء على العجز التجاري الأمريكي من خلال سياسات التجارة أو سعر الصرف فقط. فهذا يتطلب أيضاً تعديلاً في الاقتصاد الكلي، ولا سيما خفض عجز الموازنة العامة للولايات المتحدة، الذي يتوقع صندوق النقد الدولي أن يكون بنسبة 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026.

ومن الأفكار الخاطئة الأخرى، وعلى النقيض تماماً، الاعتقاد بأن المقترض هو المخطئ دائماً: فكل ما عليه فعله هو خفض إنفاقه، خاصة عجزه المالي. وهذه هي عقيدة الدائن غير المسؤول. في حالة المقترضين الصغار، قد يكون لهذا الأمر بعض المنطق. أما في حالة الولايات المتحدة، فلا.

وإذا اقتصر التعديل على تشديد السياسة المالية الأمريكية، فسنشهد تباطؤاً عالمياً. والطلب الكلي مهم. وتحتاج الاقتصادات الكبرى، كالصين والاتحاد الأوروبي، إلى توليد طلب محلي كافٍ لتحقيق التوازن في اقتصاداتها دون إجبار الدول الأجنبية على الاقتراض بشكل مفرط، لأن ذلك سيؤدي في النهاية إلى أزمات.

وآخر المغالطات هي المغالطة التجارية القائلة بأن السبيل إلى الثراء هو تحقيق فوائض دائمة. وهذا ينطوي على خطرين: أولهما أن المدينين سيتخلفون عن السداد عاجلاً أم آجلاً، وثانيهما أنهم، سواء كان ذلك مبرراً أم لا، سيكرهون الدول التي تحقق الفوائض لتسببها في تدمير صناعاتهم المحلية، وهو ما سيُنظر إليه على أنه خلق للفقر وانعدام الأمن على مستويات متعددة.

ما العمل إذاً؟ يتمثل الإجراء الأمثل في اتباع نصائح صندوق النقد الدولي بشأن التعديلات الاقتصادية الكلية وتغييرات السياسات التجارية والصناعية، كما يمكن العمل بالورقة البحثية الممتازة التي صدرت مؤخراً عن قمة مجموعة السبع في باريس.

المشكلة أن فرص اتخاذ مثل هذا الإجراء الاستباقي تكاد تكون معدومة، فقد تلاشت قدرتنا على القيام بذلك في عصر الشعبوية والقومية والعديد من الحماقات الأخرى. أما الخيار الثاني الأفضل فهو الاستعداد للأزمة، والآن هو الوقت المناسب للبدء في ذلك.