ربما بدا تسجيل سوق الأسهم الأمريكية لسلسلة من المستويات القياسية أمراً مستبعداً لكثير من المستثمرين في بداية العام لو كانوا على دراية بما سيحدث: صراع عسكري في الشرق الأوسط، وارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية، واضطرابات خطيرة في سلاسل الإمداد البحرية، وتزايد خطر حدوث ركود عالمي.
في نهاية المطاف، تشير الحكمة التقليدية إلى أن مثل هذه الاضطرابات «الجيواقتصادية» تقوض توقعات أرباح الشركات، وتزيد نفور المستثمرين من المخاطرة، وتسحب رؤوس الأموال من الأسهم إلى «الأصول الآمنة» كالسندات الحكومية والذهب والنقد. لكننا نجد أنفسنا في وضع معاكس- منطقة ضبابية من التقلبات.
وبينما تستمر فرص حل الحرب في التأخر، ويبقى مضيق هرمز مغلقاً فعلياً، ارتفعت مؤشرات سوق الأسهم الأمريكية من مستوى قياسي إلى آخر، مدفوعةً - ويا للمفاجأة - بارتفاع أرباح الشركات وزيادة الإقبال على المخاطرة. يحدث ذلك، فيما كانت توقعات التداول في بداية العام سلبية. وكان الرأي السائد بين المستثمرين والمحللين في يناير هو أن عام 2026 سيشهد تحولاً من الأسهم الأمريكية «باهظة الثمن» نحو الأسهم «القيمة» الموجودة في بقية أنحاء العالم، خاصة أوروبا. واتسعت بالفعل فجوة التقييم بين مؤشر ستاندرد آند بورز 500 ومؤشر ستوكس يوروب 600 بشكل كبير.
لكن هذه التوقعات تبددت أمام الواقع الاقتصادي الجيوسياسي القاسي. فقد كشفت الحرب في الشرق الأوسط عن مواطن الضعف الهيكلية للاقتصاد الأوروبي، فالمنطقة تعاني من حساسية مفرطة تجاه صدمات الطاقة، ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل أيضاً خطر نقص الإمدادات المادية. وقد أدى ذلك، مقروناً بضعف سلاسل التوريد الأخرى، إلى تحويل التقييمات الجذابة إلى ما يشبه «فخ القيمة». وفي المقابل، برزت الولايات المتحدة كسوق مفضلة، حيث كافأ المستثمرون استقلال اقتصادها في مجال الطاقة وقوته الهيكلية الراسخة.
وقد ربط الكثيرون هيمنة التكنولوجيا المتزايدة على الاقتصاد الأمريكي بقوة أسسه الاقتصادية الكلية. وإلى جانب الابتكارات التقنية المذهلة التي تُحقق مكاسب إنتاجية ضخمة، لا تزال أمريكا تستفيد من مزيج فريد من مرونة الشركات وسوق العمل، وأسواق رأس المال العميقة، والدعم المالي الكبير، وبنك مركزي أكثر تردداً في رفع أسعار الفائدة. وتعزز وفرة رأس المال المُخاطر ديناميكية الاقتصاد، مما يسمح لقطاع الشركات بالتعامل مع الاضطرابات بفعالية أكبر.
وقد وفر تركز ريادة السوق في عدد محدود من شركات التكنولوجيا حمايةً لمؤشرات السوق الأوسع. فهذه الشركات ليست مجرد استثمارات نمو، بل إن بعضها يُعدّ أيضاً مصدراً رئيسياً للتدفقات النقدية، بفضل ميزانياتها العمومية القوية التي تجعلها تبدو أقرب إلى البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الحديث منها إلى الشركات الدورية. وقد أسهمت قدرتها على تحقيق نمو في الأرباح بغض النظر عن المناخ الجيوسياسي في فصل مؤشرات السوق الأمريكية الأوسع عن حالة الركود التي تُؤثر على بقية العالم.
رغم ذلك كله، فإن ما يُؤدي إلى هيمنة نسبية لا يضمن بالضرورة استمرار هذا الارتفاع القياسي من حيث القيمة المطلقة. فهناك حد أقصى جيوسياسي حتى لهذا الارتفاع في السوق، وسنصل إليه بطبيعة الحال إذا لم تُحل الحرب. ونحن نقترب بالفعل من نقطة ستتجاوز فيها أسعار الطاقة وتوافرها العتبات المحتملة في عددٍ متزايد من الاقتصادات غير القادرة على استيعابها بسهولة. في الوقت نفسه، سيؤدي الانخفاض المرتقب في رأس المال الاستثماري المتاح من دول الشرق الأوسط إلى استنزاف الأسواق الأمريكية مؤقتاً من موردٍ رئيسي للتمويل المتطور.
كذلك، ثمّة خطر مرتبط بـ«إرهاق التقييم». فقد وصلت العلاوات في الولايات المتحدة إلى مستوى يجعل حتى أدنى انخفاض في الأرباح أو أقل تأخيرات في إطلاق الذكاء الاصطناعي وانتشاره الواسع كافياً لعملية إعادة تقييمٍ وتسعير كبيرة.
إن الفجوة الحالية بين أداء السوق الأمريكي والواقع الجيواقتصادي تستلزم توازناً دقيقاً بين الاعتراف بالمزايا التي تقدمها الولايات المتحدة، وإدراك التحديات المتزايدة التي تواجه الرفاه الاقتصادي.
قد تكون الولايات المتحدة منفصلة مؤقتاً عن حالة الركود العالمي، لكن هناك حدوداً لمرونة اقتصادها وقدرته على التكيف. علاوة على ذلك، في عالمٍ لا يزال مترابطاً، يُعدّ العزل الاقتصادي والمالي التام أمراً مستحيلاً. وفي حين أن الولايات المتحدة هي بلا شك أفضل خيار بين أسواق الاقتصادات المتقدمة، إلا أن ذلك سيظهر في النهاية بعض علامات التآكل إذا ظلت البيئة الجيواقتصادية قاسية.
