جدعون راتشمان
بينما أكتب هذه السطور، تصل بطولة العالم للسنوكر إلى ذروتها في شيفيلد، حيث يتنافس وو ييزي، الصيني البالغ من العمر 22 عاماً، مع البريطاني شون ميرفي على اللقب. وإذا فاز وو، فسيكون ثاني لاعب صيني يتوج بطلاً للعالم، بعد فوز تشاو شينتونغ العام الماضي.
وفي مفارقة عجيبة، تبرز الصين ومعها بريطانيا كمركزين عالميين للتميز في لعبة السنوكر، فيما أصبحت شيفيلد، التي كانت مركزاً لصناعة الصلب في العالم، عاصمة للعبة. وكان وو انتقل إلى هناك في سن السادسة عشرة مع والده، وعاش في شقة بلا نوافذ، متفانياً في شغفه باللعبة. ويُقال إن هناك الآن نحو 150 مليون مشجع للسنوكر في الصين. وقد وضع بيتر ويلسون، السفير البريطاني في بكين، طاولة سنوكر في غرفة معيشته، تكريماً لهذه العلاقة غير المتوقعة.
في هذه الأثناء، يُعدّ بروز الصين كقوة عظمى في لعبة السنوكر، مؤشراً بسيطاً على بدء البلاد في مواصلة تطويرها لمختلف أدوات «القوة الناعمة»، وهي تلك الجاذبية الثقافية التي قد تُؤثر بالإيجاب في صورة أي دولة عالمياً.
ولسنوات طويلة، كانت الأشكال الحديثة للقوة الناعمة تغيب عن الصين. كان لدى اليابان المانغا، ولدى كوريا الجنوبية موسيقى الكيبوب. ونشأت مثل هذه الظواهر من داخل المجتمع، لا بقرار حكومي، وفيما كانت الصين تعاني، فإن الأمور تتغير. ولا يقتصر الأمر على السنوكر فحسب، فتطبيق تيك توك الصيني، الذي حقق نجاحاً باهراً، أسهم في خلق ميمات ثقافية ذات صدى دولي. وتكتسب مدينة تشونغ تشينغ الآن اهتماماً عالمياً، بفضل هندستها المعمارية «السايبربانك»، حيث تمر خطوط السكك الحديدية عبر المباني. وانتشرت عبارة «فترة صينية بامتياز في حياتي» انتشاراً واسعاً على تيك توك وإنستغرام، وهي عبارة قد تعني أي شيء، من ارتداء النعال داخل المنزل، إلى شرب الماء الساخن.
ويصعب تحديد العلاقة بين القوة الناعمة والجيوسياسة بدقة، لكنها موجودة بلا شك. وقد انتصرت الولايات المتحدة والغرب في الحرب الباردة، ويعود ذلك جزئياً إلى أن المجتمع الأمريكي بدا أكثر جاذبية وحيوية من نظيره السوفييتي. وكان الشوق إلى سراويل ليفايز وموسيقى الروك خلف الستار الحديدي حقيقياً، وذا أهمية بالغة. لذا، تدرك الصين جيداً الآن أهمية تنمية قوتها الناعمة، في الوقت الذي تبدد فيه أمريكا تحت إدارة دونالد ترامب رصيدها الكبير من النوايا الحسنة عالمياً.
لقد أظهر استطلاع رأي أُجري الشهر الماضي، وشمل نخبة من سكان جنوب شرق آسيا، سؤالاً حول أي دول جنوب شرق آسيا يجب أن تتحالف معها إذا اضطرت للاختيار بين أمريكا والصين. وللمرة الثانية في تاريخ الاستطلاع الممتد لثماني سنوات، اختارت أغلبية، حتى وإن كانت ضئيلة، الصين. وأظهر استطلاع رأي أُجري في وقت سابق من هذا العام، أغلبية كبيرة في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وكندا، ممن قالوا إنه «من الأفضل الاعتماد على الصين بدلاً من الولايات المتحدة» - وهي نتيجة لافتة للغاية بين حلفاء أمريكا التقليديين.
يدور التنافس بين الولايات المتحدة والصين بشكل متزايد حول أي دولة ستُسهم بشكل أكبر في تشكيل مستقبل العالم الاقتصادي والتكنولوجي. وهل ستتبنى الدول أخرى المعايير التكنولوجية الصينية أم الأمريكية؟ وهل ستُهيمن السيارات الكهربائية الصينية على سوق السيارات العالمي؟
ويمكن لصورة الدولة العالمية أن تؤثر بشكل كبير في هذه الخيارات. وقد انخفضت بالفعل مبيعات سيارات تسلا في أوروبا بشكل حاد عام 2025، وهو ما يعزوه الكثيرون إلى العلاقة الوثيقة بين مؤسس الشركة، إيلون ماسك، ودونالد ترامب. وقد أغلق معرض تسلا المحلي في غربي لندن مؤخراً، وتحول الآن إلى صالة عرض لعلامتي السيارات الصينيتين سريعتي النمو، أومودا وجايكو.
كثيراً ما يصرّ صناع السياسة الأمريكيون على أن تبنّي التكنولوجيا الصينية قد يعرض الناس للتجسس الصيني. وقبل بضع سنوات، بذلت الولايات المتحدة جهوداً حثيثة لإقناع حلفائها الدوليين بعدم تبنّي تقنية الجيل الخامس اللاسلكية من هواوي، وهي شركة صينية. وقد حققت هذه الحملة نجاحاً نسبياً. فبريطانيا، على سبيل المثال، تراجعت عن قرارها بالتعامل مع هواوي. لكن يبقى من المشكوك فيه ما إذا كانت حملات أمريكية مماثلة ستنجح اليوم.
كانت الحجة الرئيسة التي ساقتها الولايات المتحدة ضد هواوي، هي أن تبنّي تقنيتها سيفتح الدول أمام المراقبة والإكراه الاقتصادي. لكننا نعيش الآن في عالم يُعد فيه الإكراه الاقتصادي ركناً أساسياً من أركان السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يُطلب من مسؤولي الاتحاد الأوروبي اصطحاب هواتف بعينها إلى الولايات المتحدة.
في مقابل ذلك، تُعزز بكين من خلال جهود منتظمة قوتها الناعمة. وبات بإمكان العديد من الأوروبيين السفر إليها دون تأشيرات. وقد أتاحت شركة «ديب سيك» الصينية نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص بها كمصدر مفتوح، ما أدى إلى انتشاره السريع في جميع أنحاء العالم. وفي الأسبوع الماضي، ألغت الصين الرسوم الجمركية على الواردات من جميع الدول الأفريقية تقريباً. وهو ما يمثل تناقضاً صارخاً، مع إعلان واشنطن عزمها فرض رسوم جمركية بنسبة 25 % على سيارات الاتحاد الأوروبي. وبعد أن كانت الولايات المتحدة تعتبر الهند شريكاً أساسياً في معركة احتواء النفوذ الصيني، فإنه يبدو أن ترامب يتعمد إبعاد حكومة مودي، من خلال فرض رسوم جمركية باهظة على الهند، ولا يكف عن الإشادة بباكستان. بل فقد نشر تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً، وصفت الهند بأنها «جحيم». وفي مارس، أعلنت حكومة مودي أنها ستسمح الآن بالموافقة السريعة على الاستثمارات التقنية التي تمتلك فيها الصين حصصاً أقلية في 7 قطاعات استراتيجية.
إن الولايات المتحدة بحاجة فعلياً لمواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني المتنامي عالمياً، لكن لتحقيق ذلك عليها بناء المزيد من الشراكات الدولية. وهذا يتطلب إعادة بناء رصيدها من القوة الناعمة. وإلا فسيجد ترامب نفسه في مأزق حقيقي أمام شي جين بينغ.
