هل تستغل أوروبا الفرصة لتعزيز اليورو وإزاحة الدولار عن عرشه؟

كاتي مارتن
ترى أوروبا بوضوح الفرصة السانحة لإزاحة الدولار عن عرشه. أما إذا كان ذلك سيحدث، فهذا أمر آخر. 

والترويج لليورو بوصفه عملة قادرة على منافسة الدولار في الاحتياطيات والتجارة، وعاملاً أساسياً في تماسك النظام المالي العالمي، ليس بالأمر الجديد. لكن هذا الترويج ازداد حدة بشكل ملحوظ قبل عام، بعد أن قضت الولايات المتحدة على تحالفات عالمية راسخة بفرضها، في خطوة غير مدروسة، حزمة تعريفات جمركية عالمية عالية.

أعطى تصريح لرئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في يونيو من العام الماضي، بأننا «نقترب من عصر اليورو العالمي»، الأمل في أن الطموح الذي رافق إطلاق العملة الموحدة قد يُترجم أخيراً إلى إجراءات عملية جادة، ومع ذلك ما زلنا في مرحلة الكلام المعسول والدعوات الجادة للعمل، التي ازدادت بشكل ملحوظ في الأسابيع الأخيرة.

وفي خطاب ألقاه الشهر الماضي، أعاد فيليب لين، عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، التأكيد على الجوانب الإيجابية والسلبية في هذا الشأن. فمن جهة، أسهمت مجموعة من الإصلاحات التي أُجريت خلال السنوات الأخيرة، والتي غالباً ما وُضعت في خضم الأزمات، في جعل اليورو جاهزاً للاستخدام على نطاق واسع.

كما أصبح النظام المصرفي في المنطقة الأوروبية أكثر أماناً، وزادت قوة آليات الدعم المالي، ويمتلك البنك المركزي الأوروبي مجموعة واسعة من الضمانات ضد أي خلل في سوق السندات.

وتوجد بالفعل سندات مشتركة مدعومة من دول الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن المبدأ قد تم اختباره، إلا أنها لا تزال صغيرة الحجم بحيث لا تفي بالغرض كأصل احتياطي جاد، كما أن تداولها يعد أكثر تعقيداً من تداول السندات الحكومية الفرنسية أو الألمانية.

وأعاد فيليب لين التأكيد على أن دفع هذا المشروع قدماً «يعتمد في نهاية المطاف على وجود إرادة سياسية كافية وثقة متبادلة».

ولا شك أن الشعور بالإلحاح أمر ضروري هنا، كما أشار لين وغيره، فقبل ذلك في نوفمبر الماضي، شدد ثلاثة من أبرز المفكرين الماليين الأوروبيين، هم فيليب هيلدبراند، وهيلين ري، وموريتز شولاريك، في مقال لهم على موقع فوكس، على أن أوروبا «يجب أن تتصدى للهيمنة الساحقة لأسواق رأس المال الأمريكية»، وأن «الوقت ضيق».

ويُعد التمويل الأوروبي المشترك من خلال سندات الدفاع السيادية، والإصدارات المنتظمة، والأهلية الكاملة للاستفادة من آليات التمويل في البنك المركزي الأوروبي، وسيلة أساسية لتحقيق ذلك.

وقالوا: «لا يمكن المبالغة في أهمية هذا الأمر»، مع التركيز بشكل أساسي على تمويل الدفاع عن أوكرانيا، و«تغيير الالتزامات الأمريكية». وكان هذا قبل أحدث تحدٍّ أمريكي لحلف الناتو في حرب إيران.

إنهم محقّون بالتأكيد، فليس هناك أي مستثمر كبير في السندات يرفض إصدار سندات سيادية أوروبية مشتركة على نطاق واسع، بل إن المستثمرين الأفراد سيُقبلون عليها بشغف، لكن يبدو أن النظام في أوروبا غافل عن هذا الخطر المحدق، ولا يتحرك نحو الحل، أي حل، إلا ببطء شديد.

إننا نعلم أن الرغبة في الابتعاد عن الدولار حقيقية، وهي تتجلى بوضوح في تدفقات الأموال إلى الذهب، وهو أصل، على عكس اليورو، لا يخضع لأي بنية تحتية مركزية. ويصعد الذهب بسرعة في قائمة الأصول المفضلة لدى مديري الاحتياطيات.

وأشار معهد أبحاث دويتشه بنك في مذكرة منذ أيام إلى أن الذهب يشكل الآن ما يقرب من ثلث احتياطيات البنوك المركزية، بينما انخفضت حصة الدولار على مدى سنوات عدة من أكثر من 60 % إلى نحو 40 %.

ومن المؤكد أن جزءاً كبيراً من التخصيص الأكبر للذهب هو في الواقع نتيجة للقفزة الكبيرة التي حققها سعر الذهب خلال العامين الماضيين. لكن، كما كتبت ماليكا ساشديفا ومايكل هسوه من دويتشه بنك: «هناك محرك حقيقي وراء ذلك. ويقال إن مشتريات البنوك المركزية نفسها كانت وراء هذا الزخم السعري الكبير».

وتُبدي البنوك المركزية في الأسواق الناشئة، على وجه الخصوص، حماساً كبيراً لشراء الذهب، لا سيما بعد تجميد الاحتياطيات الروسية عقب اندلاع الحرب مع أوكرانيا عام 2022.

وتضفي الطبيعة غير المرتبطة بجنسية معينة للذهب جاذبية فريدة لأي حكومة تخشى تجميد مدخراتها بالعملات الأجنبية، سواء كانت بالدولار أو اليورو أو غيرها، ومع ذلك فإن هذا التوجه لدى مديري الاحتياطيات الرسمية نحو التخلي عن الدولار يُعدّ تعبيراً مهماً عن تراجع ثقة كبار المستثمرين في استقرار الولايات المتحدة وقدرتها على التنبؤ.

وإذا استمر هذا الوضع، فقد نشهد سعراً للذهب يصل إلى 8000 دولار للأونصة أو حتى أعلى خلال السنوات الخمس المقبلة، وفقاً لتقديرات محللي دويتشه بنك، وهو سعر أعلى بكثير من سعر الذهب الحالي البالغ نحو 4500 دولار.

ولا يشير أي من هذا إلى أن المستثمرين ينوون بيع الدولار في حد ذاته، بل إنهم مهتمون بشكل غير معتاد بتعزيز ثرواتهم بأصول أخرى أيضاً، نتيجة للتحولات الواضحة في التحالفات والتنافسات الجيوسياسية.

وعموماً، فإن تاريخ الأسواق المالية الحديث حافل بالفرص الضائعة، فقد فوّتت حكومات كثيرة فرصة الاقتراض من دون فوائد خلال سنوات أسعار الفائدة الصفرية، وهو مفتاح لتمويل الطاقة والبنية التحتية بتكلفة زهيدة، وهو أمر من المرجح ألا يتكرر.

وكما فشلت معظم دول العالم في استيعاب أهمية الطاقة النظيفة بعد اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، وهو ما وضع أوروبا وآسيا تحديداً في مأزق بشأن الشرق الأوسط اليوم، فإنه من المحتمل جداً أن تُفوّت أوروبا هذه الفرصة أيضاً، وستكون هذه خسارة فادحة للغاية.