سومايا كينز
إذا لم تكونوا سمعتم من قبل قصة الكاتب البريطاني الراحل نورمان أنجيل فإليكم ملخصها: في كتابه الأكثر مبيعاً في بدايات القرن الماضي، «الوهم الكبير»، قال إن الروابط الاقتصادية بين الدول الأوروبية أصبحت قوية لدرجة تجعل الحرب مستحيلة.
وقد حقق كتابه نجاحاً باهراً لدرجة أنه أصدر طبعات عدة، بما في ذلك طبعة خاصة مُوسّعة وصلت إلى المكتبات الأمريكية عام 1913، لكن تبقى هناك حاجة إلى التدقيق في كتابات أنجيل. وفي طبعة 1913 من كتابه كتب: «ليس احتمال الحرب هو الوهم، بل فوائدها»، وهذه الحجة أكثر دقة مما يذكر غالباً، فقد جعلت التجارة الحرب مكلفة للغاية لدرجة أن أي قائد عاقل يجب عليه أن يتجنبها. وبناء على ذلك فإن الروابط الاقتصادية الأقوى من شأنها أن تساعد في استدامة السلام. إنها فكرة جيدة، لكن هل هي صحيحة؟
تشير البيانات الحديثة إلى ما يدعمها، فعلى سبيل المثال، كان من اللازم في حرب الشرق الأوسط أن يكون هناك حذر أكبر في إلقاء القنابل، لكن من المؤسف أن الأطراف المتحاربة لم تفكر ملياً في تداعيات ذلك على أسواق الطاقة. وبالنسبة للصين فإننا نراها الآن أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي، ولذلك لم تحاول الاستيلاء على تايوان، ولعل جزءاً من حسابات الرئيس شي جين بينغ يكمن في التداعيات الاقتصادية المدمرة المحتملة لمثل هذه الخطوة.
ويعد تفسير السياق التاريخي الأوسع أمراً معقداً، فقد شهدت العقود القليلة الماضية طفرة في التجارة وهدوءاً نسبياً، لكن قد يكون السلام هو ما يُحفّز التجارة، ولم يتردد الاقتصاديون في تقديم مجموعة من الدراسات الجديدة، التي تؤكد أن العلاقات التجارية القوية تسهم في تحقيق السلام.
وفي إحدى هذه الدراسات، بنى فريق من الباحثين نموذجاً يُبيّن كيف تؤثر التدفقات التجارية على تكلفة الصراع، فضلاً عن فعالية العقوبات الاقتصادية الرادعة. ويمكننا ملاحظة أنه بعد عام 2014 انخفضت واردات أوكرانيا من روسيا انخفاضاً حاداً، ما أدى فعلياً إلى خفض نسبي لتكلفة الحرب وزيادة احتمالات نشوبها. ووفقاً للنموذج، فإنه لو كانت التدفقات التجارية ظلت قوية، لكانت أوكرانيا أكثر ميلاً لاتباع سياسة استرضاء تجاه روسيا.
وقد يبدو هذا وكأنه لوم للضحية، لكن ماتياس ثونيغ، أحد مؤلفي الدراسة، شدد على أن أوكرانيا بالطبع لم تكن مسؤولة عن الحرب، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن فك الارتباط يجعل مصادر الحماية الأخرى أكثر أهمية، ولذلك كان من المفترض أن تجعل العلاقات الغربية مع روسيا، العقوبات الاقتصادية أداة فعالة، ولو تمكنت الحكومات من الالتزام بشكل موثوق بحزمة عقوبات واسعة، لربما تمكنت من تحقيق السلام.
وتتناول دراسة جديدة أخرى منظوراً أوسع، إذ تستكشف كيف أسهم التوسع الهائل في السفر الجوي خلال القرن العشرين في زيادة التجارة، وخفض احتمالات الصراع، ففي سبعينيات القرن الماضي، شهدت حركة الطيران ثورة الطائرات عريضة البدن، والتي أتاحت نقل كميات أكبر بكثير من البضائع، بما في ذلك السيارات والآلات والحاويات. وبين عامي 1965 و2004 ارتفعت حصة الصادرات الأمريكية المنقولة جواً من حيث القيمة من حوالي 12% إلى ما يقارب 60%.
وقد أثر تسهيل السفر الجوي للتجارة على بعض الخطوط بشكل أكبر بكثير من غيرها، فبينما انخفضت المسافة الفعلية بين ليتوانيا والعراق بنحو 80%، لم تتأثر الرحلة السهلة أصلاً بين ألمانيا والنرويج إلا قليلاً، ومع انخفاض المسافة الفعلية يزداد حجم التجارة، ومن خلال مقارنة الشركاء الأكثر تأثراً والأقل تأثراً، تمكن الاقتصاديون من تحديد ما إذا كانت التجارة قد أثرت على احتمالية نشوب خلافات بينهم.
وقد وجدوا أن التجارة، بالفعل، بدت وكأنها تخفف من حدة التوتر، ما يقلل من احتمالية التهديد باستخدام القوة أو تطبيقها، لكن بدا التأثير الإجمالي ضئيلاً، ويعود ذلك في الأغلب إلى ندرة النزاعات، إذ لم تتجاوز نسبة النزاعات بين الدول 0.5% في المتوسط خلال الفترة من 1962 إلى 2014، وقد أدى تضاعف حجم التجارة بالفعل إلى خفض احتمالية نشوب نزاع بنحو 30%.
لذا، لا يزال الاقتصاديون يميلون إلى رأي أنجيل، على الأقل استناداً إلى البيانات المتوفرة لديهم حالياً، لكن مع بعض التحفظات. وعموماً كانت التجارة مُهدئة، في ظل نظام معين ذي قوة عالمية مهيمنة، لكن في عالم اليوم متعدد الأقطاب، قد تتغير هذه الديناميكيات.
