آن سيلفين شاساني - ليلى عبود
بعد شهر من الكتابة عن «مخاطر القوة الألمانية»، تلقت المؤرخة ليانا فيكس المقيمة في واشنطن، دعوة عشاء مفاجئة. كان المستشار فريدريش ميرز في العاصمة الأمريكية في مارس، لإجراء محادثات مع الرئيس دونالد ترامب، وأراد مقابلة الباحثة الألمانية على انفراد، لمناقشة مقالها الذي فاجأ برلين.
في المقال، أوضحت فيكس كيف يمكن أن تخفق البلاد في خطط إعادة التسلح الطموحة - بدءاً من التسبب في إشعال المنافسة الصناعية مع دول مثل فرنسا، وصولاً إلى سيناريو يستخدم فيه حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، الموالي لروسيا، مثل هذا النفوذ العسكري لترهيب جيرانه. وكتبت أن ألمانيا بحاجة إلى كبح جماح نزعتها للهيمنة، وإيجاد طريقة لطمأنة جيرانها في الاتحاد الأوروبي.
ورغم تأكيد المسؤولين الحكوميين الألمان، أن هذه المخاوف مبالَغ فيها، ولا تثير إزعاج حلفائهم الأوروبيين، الذين يحثون في المقابل ألمانيا على إعادة بناء دفاعاتها بأسرع وقت ممكن، فمن الواضح أن المقال قد أثار جدلاً واسعاً.
فبسبب الزيادة الهائلة في الإنفاق التي بدأها ميرتس، من المتوقع أن تصل ميزانية الدفاع الألمانية إلى ما يعادل مجموع ميزانيتي المملكة المتحدة وفرنسا، بحلول نهاية هذا العقد، وبدأت بالفعل في تغيير موازين القوى داخل أوروبا.
وحتى قبل لقاء فيكس في واشنطن، سعى المستشار الألماني علناً إلى دحض أطروحتها، برلين تستهدف لعب دور ريادي في الدفاع عن القارة. وقد صرّح ميرتس في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير، بأن ذلك سيكون على أسس متعددة الأطراف بحتة: «قيادة قائمة على الشراكة: نعم، أوهام الهيمنة: لا. لن نخوض نحن الألمان غمار الأمور بمفردنا مرة أخرى».
وصوّر ميرتس مراراً وتكراراً إعادة التسلح التاريخية هذه، كرد فعل على التهديد الذي تشكله روسيا، والتراجع في التزام الولايات المتحدة تجاه أوروبا في عهد ترامب. ولذلك، يُنظر إلى الأمر على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا، على أنه ضروري وعاجل، بل ومتأخر.
لكن لا يمكن في الوقت نفسه إنكار أن خطط الإنفاق تثير قلقاً أيضاً، لا سيما في فرنسا وبولندا، ليس بسبب عودة القوة العسكرية الألمانية إلى قلب أوروبا بعد نحو ثمانية عقود من الحرب، بقدر ما هي بسبب التداعيات العملية على صناعة الدفاع في القارة.
ورغم ما قالته فيكس، فإن القلق في باريس تحديداً لا يتعلق كثيراً بسياسات القوى العظمى في القرن العشرين، بل باعتبارات القرن الحادي والعشرين.
فالزيادة السريعة في الإنفاق الألماني، تُهدد بتثبيت خيارات التوريد الرئيسة لعقود، ما قد يُطيل الاعتماد على الأنظمة الأمريكية، مثل الطائرات المقاتلة والدفاعات الجوية، كما أنه يُعزز الصناعة الألمانية، دون ضمان حصول جيرانها على نصيب من المكاسب.
لكن نظراً للقيود المالية التي تعاني منها العديد من دول الاتحاد الأوروبي، سيعتمد الكثير على برلين لسدّ الثغرات الأمنية التي يُخلّفها تراجع الوجود الأمريكي. وقد وعد ميرز بمواجهة هذا التحدي، متعهداً بتحويل الجيش الألماني (البوندسفير)، إلى «أكبر جيش نظامي في أوروبا» مرة أخرى.
وبعد رفع القيود الدستورية على ديونه العام الماضي، تعتزم برلين تخصيص 779 مليار يورو للدفاع، بين عامي 2026 و2030، أي أكثر من ضعف الإنفاق خلال السنوات الخمس السابقة.
وبحلول نهاية العقد، أي قبل أكثر من خمس سنوات من الموعد المستهدف في عام 2035، ستتجاوز ألمانيا هدف حلف الناتو، المتمثل في إنفاق 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي على الجيش، بميزانية سنوية تقارب 190 مليار يورو.
من ناحية أخرى، فإنه بالنسبة لبعض الفرنسيين المخضرمين، لا يزال التاريخ يُلقي بظلاله الثقيلة. ويقول جاك أتالي المستشار السابق للرئيس الراحل فرانسوا ميتران: «لطالما كانت مسألة الهيمنة الألمانية حقيقة غير مُعلنة بين فرنسا وألمانيا».
وقلة من الذين يمارسون السلطة حالياً في فرنسا، يعتقدون أن ألمانيا قد تُشكل خطراً عسكرياً مرة أخرى، لكن المشهد الجيوسياسي يتغير بشكل كبير.
ويختلف منظور البلدين تجاه حلف الناتو نفسه. ويحظر الدستور الألماني على ألمانيا إرسال بعثات مسلحة إلى الخارج، دون موافقة برلمانية وتفويض دولي - عملياً من حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة - وتستضيف أسلحة نووية أمريكية على أراضيها.
في المقابل، تربط فرنسا علاقة أكثر تعقيداً بالحلف الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث تنشر قواتها غالباً بشكل منفرد، وتفتخر بقوتها النووية الضاربة المستقلة.
وبالنسبة لبولندا، التي لطالما خشيت ألمانيا وروسيا، على حد سواء، فقد وجّه السياسيون تحذيرات أكثر قوة صراحة. وتساءل ماتيوس مورافيتسكي رئيس الوزراء السابق من حزب القانون والعدالة اليميني، في مقال نُشر الصيف الماضي، عما إذا كانت ألمانيا «التي لم تعد ملتزمة بالمبادئ السلمية»، قادرة على «العودة إلى تعاون وثيق مع روسيا الاستعمارية الإمبريالية».
وقال وزير الخارجية رادوسلاف سيكورسكي أمام البرلمان البولندي العام الماضي: طالما أن ألمانيا عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فإنني أخشى من نفور ألمانيا من التسلح، أكثر مما أخشى من الجيش الألماني نفسه». لكن في خطاب ألقاه في برلين عام 2022، قال أيضاً: «لا تعيدوا التسلح على أساس وطني بحت».
وفي باريس، تتركز المخاوف على القوة الصناعية الألمانية، واعتمادها على الولايات المتحدة والموردين من خارج أوروبا. ويحذر مسؤولون فرنسيون وخبراء دفاعيون، من أن برلين تتبنى نهجاً وطنياً لإعادة بناء قطاعها الدفاعي، بينما تقدم في الوقت نفسه طلبات شراء ضخمة لأنظمة أمريكية، على الرغم من تعهداتها بتفضيل المشتريات الأوروبية و«الاستقلال الاستراتيجي».
ولا يعتقد المسؤولون الفرنسيون أن بلادهم ستُزاح من مكانتها كقوة عسكرية رائدة في أوروبا، في ظل امتلاكها القنبلة النووية، ومقعداً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
لكن بول موريس يرى أن «تدفق هذا الكم الهائل من الأموال، سيغير وجه صناعة الدفاع الأوروبية، من خلال زيادة حجم الشركات الألمانية ونفوذها». وتُعد صعوبات المشاريع المشتركة، مثل نظام القتال الجوي المستقبلي الفرنسي الألماني، أحد أعراض هذا التوتر.
فبفضل ميزانية الدفاع الموسعة لبرلين، ورغبتها في تعزيز الخبرات المحلية، دخلت وحدة الدفاع التابعة لشركة إيرباص، ومقرها ألمانيا، في نزاع مع شركة داسو للطيران الفرنسية، حول صنع القرار.
وتقاسم العمل والملكية الفكرية بشأن الطائرة المقاتلة المشتركة، ما أدى إلى توقف البرنامج. كما ظهر خلاف آخر حول مشروع «سكاي شيلد» الألماني، الذي يسعى إلى تشكيل مجموعة من الدول لبناء دفاعات جوية أوروبية.
ويرى كثيرون في برلين أن تحذيرات فرنسا تنبع من خشيتها فقدان مكانتها كقوة أمنية رائدة في القارة، ومحركها الصناعي الدفاعي. يقول ماجور من صندوق النقد الدولي: «الفرنسيون حذرون.
لكن هذا يعكس مخاوفهم الأمنية». وفي أوساط الأمن في برلين، لا يخلو الأمر من انتقادات لسياسة الحكومة الدفاعية. ويتفق كثيرون على ضرورة تقليل ألمانيا اعتمادها العسكري على واشنطن في أنظمة رئيسة، مثل طائرات إف 35، وأنظمة باتريوت للدفاع الجوي. لكن انعدام الثقة بفرنسا حاضرٌ دائماً.
كذلك، فقد حذر بعض كبار السياسيين الألمان من رد فعل سلبي محتمل ضد شركة راينميتال، الشركة الألمانية العملاقة المصنعة للدبابات والذخائر.
والتي تُنشئ مصانع وتُقيم مشاريع مشتركة في جميع أنحاء أوروبا. ويكمن قلقهم في أنه إذا أصبحت راينميتال كبيرة جداً في أوروبا على حساب شركات الدول الأخرى، فقد يُؤدي ذلك بدوره إلى تأجيج الاستياء تجاه برلين.
من ناحية أخرى، يُشير المسؤولون الحكوميون إلى الدعم القوي من دول البلطيق ودول الشمال الأوروبي للجهود الدفاعية الألمانية. فعلى سبيل المثال، رحبت ليتوانيا بوجود لواء ألماني على أراضيها، لتعزيز الجناح الشرقي لحلف الناتو في مواجهة روسيا. كما يُسلط المسؤولون الضوء على التزام شركة ميرز بالتعاون الدفاعي الوثيق مع باريس.
وبالنسبة للمخاوف من احتمالية تشكيل حكومة مدعومة من حزب البديل من أجل ألمانيا، فيرى بعض المحللين أن التحدي اليميني المتطرف الأكثر إلحاحاً، يكمن في فرنسا، حيث يتصدر حزب التجمع الوطني القومي المتشكك في الاتحاد الأوروبي، استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
وتصف المؤرخة الألمانية المقيمة في واشنطن، فيكس، التحول الدفاعي لبلادها بأنه «لحظة تاريخية فارقة، تضاهي إعادة التوحيد»، مضيفةً: «هناك شيء جديد قادم، ولا نعرف ماهيته تحديداً».
وتتابع: «لعقود طويلة، كان الانتماء إلى الغرب هو ما يُحدد الهوية الألمانية. كيف ستبدو السياسة الخارجية والدفاعية بدون الولايات المتحدة في مركزها؟ لا أحد يعلم حقاً».
وهي ترى أن الألمان يتخلون عن صورة ذاتية راسخة كقوة مدنية بحتة. فبعد إعادة تأسيس الجيش الألماني عام 1955 خلال الحرب الباردة، أصبح أكبر قوة برية في أوروبا الغربية، لكنه لم يُصمم كقوة قتالية مستقلة تماماً.
إذ يُحكم البرلمان الألماني (البوندستاغ) قبضته على ميزانية الجيش، ويملك حق النقض على قرارات الشراء التي تتجاوز 25 مليون يورو.
ومع ذلك، تقول فيكس إن السياسة الخارجية الألمانية شهدت تحولاً في الواقع، ما مهد الطريق لاحتضان القوة العسكرية اليوم. وتضيف: «كنا نميل إلى الاعتقاد بأننا لا نؤيد القوة العسكرية، وأننا أكثر تنويراً وتحضراً.
لكن هذه الهوية لم تعد تعكس الواقع منذ زمن طويل». وتشير إلى أن الجنود الألمان الذين تم نشرهم في أفغانستان، قوبلوا بالعداء في الداخل.
ولا يزال الرأي العام يعكس هذا التناقض، فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة كوربر، يؤيد ما يقرب من ثلاثة أرباع الألمان، خطط مضاعفة الإنفاق الدفاعي. ومع ذلك، لا يزال 61 % منهم يعارضون تولي ألمانيا دوراً عسكرياً رائداً في أوروبا.