كلير جونز
إصرار رئيس البنك المركزي الأمريكي على مواجهة ترامب عزّز استقلالية المؤسسة
وقف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول أمام ستارة داكنة محاطة بالعلَم الأمريكي، وألقى تصريحات غير مسبوقة في تاريخ المجلس الممتد لـ 112 عاماً: اتهم رئيساً أمريكياً باستخدام تحقيق جنائي للضغط على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة.
في بيان مصور مدته دقيقتان تقريباً، نشر على موقع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإلكتروني، مساء أحد أيام شهر يناير الماضي، هاجم باول تحقيق إدارة ترامب في تعامله مع عملية تجديد مقر البنك المركزي بتكلفة 2.5 مليار دولار، وقال إنه سيقف «بحزم في وجه التهديدات».
بعد مرور ثلاثة أشهر، يقول خبراء اقتصاديون إن قراره بمواجهة دونالد ترامب قد عزّز استقلالية البنك المركزي. وقالت إستر جورج، الرئيسة السابقة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، والتي تعمل حالياً في معهد بيترسون للأبحاث: «كان ذلك أمراً استثنائياً ومعقداً لرئاسة البنك المركزي». وأضافت: «لقد أظهر باول قدراً هائلاً من الصبر في ظل هذا الوضع الصعب للغاية».
وقد دافع جميع رؤساء بنك الاحتياطي الفيدرالي السابقين الأحياء، بالإضافة إلى عدد من الاقتصاديين السابقين في البيت الأبيض، الذين خدموا في إدارات ديمقراطية وجمهورية، عن باول عقب خطابه المصور، وكتبوا رسالة تدين التحقيق، ووصفوا ما يحدث بأنه يُذكّر بـ«كيفية وضع السياسة النقدية في الأسواق الناشئة ذات المؤسسات الضعيفة».
صرّحت جانيت يلين، سلف باول في رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي ووزيرة الخزانة السابقة، لصحيفة فاينانشال تايمز بأن التحقيق «يشكل تهديداً خطيراً للاستقلالية». وقال غلين هوبارد، الذي عمل مستشاراً اقتصادياً في البيت الأبيض في عهد جورج دبليو بوش ووقع على الرسالة التي تدين التحقيق: «اللجوء إلى تحقيق جنائي يبدو وكأنه ذريعة، أعتقد أن هذا الأمر بدا لنا جميعاً تجاوزاً للحدود».
ورغم ذلك فقد أصر ترامب، الذي وصف باول بـ«الأحمق» لعدم خفض أسعار الفائدة، لشهور على رغبته في استمرار التحقيق، وهدد في وقت سابق من أبريل بإقالة باول إذا بقي في مجلس الاحتياطي الفيدرالي بعد انتهاء ولايته رئيساً في 15 مايو، وقد أبطأت وزارة العدل وتيرة عملها الأسبوع الماضي، وأسقطت تحقيقها تحت ضغط من المشرّعين الأمريكيين.
وكان السيناتور الجمهوري توم تيليس قد هدد بعرقلة تعيين كيفن وارش، المرشح لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ما لم يتم إيقاف التحقيق، ما خلق مشكلة كبيرة لإدارة ترامب.
وحتى قبل التحقيق كان مشروع تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي، الذي تجاوز الميزانية بمقدار 700 مليون دولار، مصدر توتر بين باول والرئيس. ووجّه رئيس الاحتياطي الفيدرالي انتقاداً مبطناً لترامب عندما زار الرئيس موقع البناء في مقر الاحتياطي الفيدرالي في يوليو، فعندما ادّعى ترامب أمام الكاميرات أن فاتورة التجديد ستصل إلى 3.1 مليارات دولار هز رئيس الاحتياطي الفيدرالي رأسه سريعاً وقال إنه «لم يكن يعلم بأن تكلفة المشروع قد ارتفعت عن تقديرات البنك المركزي البالغة 2.5 مليار دولار»، وقد لقي استعداد باول لمواجهة ترامب وتفنيد مزاعمه وجهاً لوجه رواجاً واسعاً.
وفي نهاية أغسطس الماضي تصدت ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، أيضاً لمحاولات ترامب لإقالتها، وطعنت في القرار أمام المحكمة، وفي نهاية المطاف سمحت لها المحكمة العليا بالبقاء في منصبها ريثما تنظر في ما إذا كان ترامب يملك الحق في إقالتها.
وقال خبراء اقتصاديون، إن نجاح باول في التصدي لمطالب ترامب بخفض أسعار الفائدة، وكذلك معركة كوك القانونية ضد الرئيس، قد يساعدان في حماية وارش، الذي سيتولى رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في منتصف مايو بانتظار مصادقة مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الجمهورية.
ومع ذلك قد لا يكون إلغاء التحقيق كافياً لموافقة باول على مغادرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي نهائياً، كما جرت العادة بالنسبة لرؤساء المجلس المغادرين. فقد أصر باول على أنه سيبقى في منصب المحافظ بالبنك المركزي - والذي تنتهي ولايته في يناير 2028 - على الأقل حتى ينتهي التحقيق معه «بشكل كامل وشفاف ونهائي»، لكن جانين بيرو، المدعية العامة الأمريكية التي بدأت التحقيق، صرحت الأسبوع الماضي بأنها «لن تتردد في إعادة فتح تحقيق جنائي إذا اقتضت الحقائق ذلك».
وتم تصميم هيكل البنك المركزي ليتحمل الضغوط، فهناك العديد من الضوابط والتوازنات، بما في ذلك غياب المركزية، لكن حتى مع وجود هذه الضوابط والتوازنات، لا تزال المخاوف قائمة من أن البيت الأبيض قد خلق مناخاً عدائياً كافياً لثني الناس عن الانضمام إلى الاحتياطي الفيدرالي. وداخل المجلس لا يزال الكثيرون متوترين خشية أن تواصل الإدارة ملاحقة كبار المسؤولين، بغض النظر عن عدد التحقيقات والقضايا القانونية، التي سيضطر ترامب للتراجع عنها. وقالت جانيت يلين: «إذا كنت تعتقد أنك ستدخل وظيفة قد تتعرض فيها لضغوط سياسية للتصويت بطريقة معينة، وأنك - إذا لم تلتزم بالخط - قد توجه إليك اتهامات فإن الكثير من الناس لن يرغبوا في القيام بذلك. هذه الطريقة تجعل الأشخاص الجادين لا يرغبون في الخدمة العامة».
