هل تقليص الرحلات يحلّ الأزمة الخانقة للطاقة في قطاع الطيران؟

كثيراً ما يُقال إن أفضل علاج لارتفاع أسعار النفط هو ارتفاع الأسعار لأنه يقلل الطلب ويعيد بذلك حالة التوازن إلى السوق. وقد بدأ بعض مستهلكي النفط بالفعل خفض استهلاكهم، وشمل ذلك عدداً من شركات الطيران.

فقد استجابت شركات لوفتهانزا، ودلتا الأمريكية، وكاثاي باسيفيك التي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها، وكوانتاس الأسترالية، لتضاعف أسعار وقود الطائرات بتقليص رحلاتها.

لكن المشكلة تكمن في أن طبيعة النفط الجامدة تجعل هذا الإجراء غير مُجدٍ في خفض الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية، فعندما تُجري مصفاة النفط عملية تكرير لبرميل من النفط الخام، ينتج عن ذلك مُنتجات تتراوح بين البيوتان والبيتومين، مروراً بالبنزين ووقود الطائرات والديزل والنافتا وزيت الوقود.

وتنتج هذه المُنتجات بنسب ثابتة نسبياً، أي أن المصفاة لا تملك القدرة على إعطاء الأولوية لمنتج على آخر.

وصحيح أنه من خلال بناء مصافي أبسط أو أكثر تعقيداً، واختيار أنواع مختلفة من النفط الخام كمادة خام، يُمكن من زيادة إنتاج نوع معين من المُنتجات. لكن بمجرد بناء المحطات، وبالنظر إلى إجمالي إنتاج النفط الخام العالمي، لا يمكن للنظام إلا أن يُغير حصة ما يُنتجه بنسبة ضئيلة جداً.

وهكذا، فإن خفضاً بنسبة تتجاوز 15% في الإمدادات العالمية من النفط الخام ومشتقاته، كما هو الحال في إغلاق مضيق تايوان لفترة طويلة، سيستلزم حدوث تخفيض بنسبة 15% تقريباً في استهلاك كل منتج. وهذه قاعدة عامة وليست رقماً دقيقاً، إذ إن الكمية الفعلية ستتأثر بالقدرة المحدودة للمصافي على إجراء تعديلات، فضلاً عن أن صادرات الشرق الأوسط من المنتجات كانت تركز بشكل خاص على النافتا ووقود الطائرات.

وتُعد شركات الطيران من أوائل المتضررين من ارتفاع الأسعار بشكل كبير. ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار وقود الطائرات بوتيرة أسرع من المنتجات المكررة الأخرى نتيجةً للاضطرابات في الشرق الأوسط، ولأنه يُشكل نسبة كبيرة من تكاليف شركات الطيران، ما يؤثر سلباً في أرباحها بسرعة. وعلى سبيل المثال، فقد بلغت نفقات الوقود وما يرتبط به حوالي 35% من إيرادات شركة رايان إير في عام 2025، وفقاً لمحللي بيرنشتاين.

لكن كيف يمكن أن يمتد تأثير صدمة أسعار وقود الطائرات إلى أنواع الوقود الأخرى؟ لنتخيل أن السعر الحالي البالغ حوالي 200 دولار للبرميل - أي ضعف سعر النفط الخام غير المكرر - كافٍ لخفض استهلاك شركات الطيران العالمية بنسبة 15%، إلا أن ذلك لن يُسهم في خفض الطلب على النفط الخام، وهو شرط أساسي لتوازن السوق.

وستستمر شركات التكرير، التي لا تزال قادرة على تحقيق أرباح من النفط بسعر 100 دولار للبرميل نظراً لتنوع المنتجات التي تحصل عليها منه، في التنافس على شرائه.

وسيكون هناك انخفاض للطلب على النفط الخام عندما ترتفع أسعار المنتجات الأخرى أيضاً، لتصل إلى المستوى الذي يقرر عنده 15% من العملاء أن الشراء لم يعد مجدياً.

وبطبيعة الحال، سيكون بعض العملاء أقل حساسية للأسعار من شركات الطيران، ما يشير إلى أنه في حالة حدوث اضطراب طويل الأمد، ستتجه أسعار النفط الخام والمنتجات الأخرى إلى الارتفاع أكثر. وقد يقوم المسافرون الذين يقللون من سفرهم فجأة بدورهم، لكن إدارة أفضل للتعامل مع أي نقص ستحتاج بالتأكيد إلى جهد جماعي أوسع بكثير.