تأتي الحرب في الشرق الأوسط لتترك عدداً من التداعيات السلبية على الدول النامية. وقبل أن تشتعل الحرب، كانت هناك أجواء من التفاؤل بشأن قدر المرونة في دول العالم النامي، وإن كان ذلك مع بعض الاستثناءات.
وعلى الرغم من ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية، واستمرار آثار جائحة كوفيد 19 والحرب الشاملة في أوكرانيا، كان النمو الاقتصادي وأسواق الأسهم في مجموعة واسعة من الدول قوياً بشكل لافت. وقد أسهمت الإصلاحات التي انطلقت في الوقت المناسب والسياسات المالية والنقدية الرشيدة في ذلك.
أما الآن، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز يهدد هذا التقدم الذي تحقق بشق الأنفس. وتمثل الأزمة في الشرق الأوسط ضربة ثلاثية الأبعاد للدول الفقيرة بالعالم النامي:
- أولاً، بات من الصعب على الدول المستوردة الصافية للطاقة من بينها المنافسة في الأسواق العالمية على إمدادات متضائلة من النفط والغاز. كما يفتقر الكثير من هذه الدول إلى بدائل الطاقة المتجددة. ومن إثيوبيا إلى توفالو، تتسع رقعة المناطق المتأثرة بنقص الوقود.
- ثانياً، يؤدي انقطاع الإمدادات الغذائية والأسمدة - التي يمر ثلث تجارتها البحرية عبر المضيق - إلى زيادة خطر سوء التغذية في البلدان التي تضررت فيها المحاصيل الزراعية بالفعل جراء الصدمات المناخية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنه إذا استمر النزاع حتى يونيو، فقد يُدفع ذلك بما يزيد على 45 مليون شخص إضافي إلى براثن الجوع الحاد.
- ثالثاً، يُرسل العمال الأجانب في الدول الخليجية إلى بلادهم أكثر من 100 مليار دولار سنوياً. وتُعد دول جنوب آسيا ومصر والفلبين من أكثر الدول عرضةً لانخفاض تدفقات التحويلات المالية.
وفي ظل هذه الصدمات الثلاث، تبدو بنغلاديش الأكثر عرضةً للخطر. وقد شددت التوقعات الاقتصادية المُحدثة لصندوق النقد الدولي هذا الشهر على أن هناك تأثيراً غير متناسب للحرب على الدول الفقيرة.
وقد خفض الصندوق توقعاته للنمو في الاقتصادات الناشئة والنامية بمقدار 0.3 نقطة مئوية هذا العام، بينما أبقى على توقعاته للاقتصادات المتقدمة ككل دون تغيير. وقال رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إنه «حتى لو توقفت الحرب غداً»، فإن أكثر من 30 مليون شخص سيسقطون ثانية في براثن الفقر نتيجةً لتداعياتها الحالية.
وكلما طال أمد الصراع، ستتفاقم بالتأكيد التداعيات الاقتصادية والإنسانية. وفي ظل هذه الأجواء، لا يملك صانعو السياسات في الدول النامية سوى استنزاف مخزوناتهم المتضائلة. وقلة من هذه الدول تملك القدرة المالية الكافية لتقديم الدعم اللازم للأسر التي تعاني من نقص الغذاء وأسطوانات غاز الطهي. وللعلم، فإن أكثر من ثلث دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى معرضة لخطر كبير من الوقوع في أزمة ديون، أو أنها تعاني منها بالفعل.
ويعني التراجع الأخير في المساعدات الخارجية من الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة أن الاحتياطيات المالية المتاحة للدول النامية أصبحت أقل مما كانت عليه خلال الأزمات السابقة. وكان من المفترض أن تمتلك الدول الغنية القدرة على تقديم الدعم لأشد الدول فقراً، لكنها منشغلة الآن بتقديم الدعم الاقتصادي للمجتمعات المحلية، وتأمين شحنات الوقود الأحفوري المتضائلة، وتخزين الأسمدة والغذاء.
يعني ذلك كله أن على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن يكونا على أهبة الاستعداد لتقديم الدعم المالي، وحثّ الاقتصادات الغنية على تجنب حظر تصدير المواد الغذائية والأسمدة.
كما أن إنشاء ممر مائي آمن في المضيق لتمكين تدفق المواد الغذائية والأسمدة - على غرار اتفاقية الأمم المتحدة التي تم تطبيقها في البحر الأسود خلال النزاع الأوكراني - من شأنه أن يوفر إغاثة أساسية، لكن الجهود المبذولة لوضع مثل هذه الخطة، التي تدعمها كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، لم تُحرز تقدماً يُذكر حتى الآن. وينبغي على مختلف الجهات أن تستجيب لهذا النداء.
إن السبيل الأسرع لمنع معاناة واسعة النطاق يكمن في المسار الذي يستهدف وقف إطلاق النار- رغم ضيقه، والعودة السريعة لحركة الملاحة في المضيق. وما لم تتحرك الدول الغنية، فإن التكاليف العالمية للنزاع ستكون ثقيلة للغاية على عاتق الدول الأقل قدرة على تحملها.
