تسارع السعي الأمريكي للهيمنة على سوق الطاقة تحت نيران الحروب

جيمي سميث - مالكولم مور، ناسوس ستيليانو

دان كلارك - ستيفن برنارد

استفادة كبيرة للولايات المتحدة من إعادة تشكيل تدفقات النفط والغاز بفعل صدمات الطاقة

في المقر الرئيس لشركة شينير إنرجي في هيوستن، والتي تعد أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في أمريكا، لم يتوقف الهاتف عن الرنين منذ اندلاع الحرب مع إيران قبل ثمانية أسابيع، فالدول التي انقطعت عنها إمدادات الغاز المعتادة من الشرق الأوسط، تتسابق لإيجاد مصادر بديلة، ويرى معظمها في الولايات المتحدة المصدر الوحيد الممكن للمساعدة.

قال جاك فوسكو الرئيس التنفيذي لشركة شينير، في مؤتمر عُقد الشهر الماضي: «نبذل قصارى جهدنا. ونحاول إيصال أكبر كمية ممكنة من الغاز إلى الدول الآسيوية التي هي في أمسّ الحاجة إليه».

يشير ذلك إلى تحول جذري آخر في أسواق الطاقة العالمية. فالصدمات المتتالية، بدءاً من اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022، مروراً بالتدخل الأمريكي في فنزويلا، وصولاً إلى الصراع الحالي في منطقة الشرق الأوسط، أدت إلى تعطيل إمدادات النفط والغاز التي كانت قائمة منذ زمن طويل، وفي الوقت نفسه، عززت جاذبية الطاقة الأمريكية، التي لا تتميز بوفرة مواردها فحسب، بل أيضاً بأمانها الجيوسياسي. وبينما تدفع الحرب الأخيرة أسعار النفط في الولايات المتحدة إلى الارتفاع، سلط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء على الجانب الإيجابي، قائلاً: «عندما ترتفع أسعار النفط، نجني أرباحاً طائلة». بالنسبة لشركات الطاقة الأمريكية، بدأت هذه المكاسب تظهر بالفعل. فقد ارتفعت صادرات النفط الخام الأمريكية إلى مستوى قياسي، بلغ 5.2 ملايين برميل يومياً الأسبوع الماضي، بزيادة تتجاوز مليون برميل عن الأسبوع الذي سبقه، في ظل تسابق المشترين في أوروبا وآسيا إلى تأمين الإمدادات التي فُقدت بسبب حرب الشرق الأوسط.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، توجهت أكثر من 65 ناقلة نفط عملاقة فارغة إلى الولايات المتحدة لتحميل النفط الخام، وفقاً لبيانات مجموعة كيبلر البحثية، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف العدد المسجل في الأسبوع الذي سبق بدء الحرب في 28 فبراير، وأعلى بكثير من المتوسط اليومي للعام الماضي البالغ 28 ناقلة.

وبنهاية أبريل، من المتوقع أن يأتي أكثر من ثلث وقود الطائرات الأوروبي من مصافي التكرير الأمريكية، أي ما يقارب ضعف المستوى المسجل في يناير، وفقاً لكيبلر، التي ترصد الشحنات. وتشير تقديرات شركة ريستاد إنرجي، إلى أن ارتفاع الأسعار قد يعزز التدفقات النقدية لشركات النفط الأمريكية، بمقدار 63 مليار دولار هذا العام، إذا بقي سعر برميل النفط الخام عند حوالي 100 دولار.

وبينما يشهد الطلب على النفط والوقود إقبالاً كبيراً على المدى القصير، فمن المرجح أن يشهد قطاع الغاز الأمريكي انتعاشاً أكبر على المدى الطويل. فكما تحولت أوروبا من الغاز الروسي إلى الغاز الطبيعي المسال الأمريكي بعد عام 2022، قد تحذو آسيا حذوها الآن. وقبل الحرب، كانت آسيا تستورد أكثر من ربع احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج، ونحو 40 % من نفطها. ومنذ اندلاع الصراع، تم تحويل مسار 13 ناقلة غاز طبيعي مسال على الأقل، كانت متجهة في الأصل إلى أوروبا، نحو آسيا، معظمها انطلقت من الولايات المتحدة. ويتسابق المشترون للحصول على الإمدادات، بعد أن أدت الحرب إلى توقف الشحنات عبر مضيق هرمز. ويسير البيت الأبيض على خط سياسي رفيع: فالتهافت على الطاقة الأمريكية، وارتفاع الأسعار العالمية، يرفعان أرباح المنتجين، لكنهما في الوقت نفسه يزيدان التكاليف على المستهلكين الأمريكيين، قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، حيث سيواجه الجمهوريون معركة شرسة للاحتفاظ بأغلبيتهم في مجلسي الكونغرس. ويبلغ متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة حالياً ما يزيد على عتبة حساسة سياسياً، تبلغ 4 دولارات للجالون. وتقول أندريكا بيرناتوفا، مستثمرة في قطاع الطاقة ومقيمة في هيوستن: «الطاقة هي جوهر الهيمنة الأمريكية». «هذه دولة تمتلك بالفعل موارد طاقة، وتواصل سعيها الحثيث لتأمين المزيد منها، بينما لا تتمتع آسيا وأوروبا بهذه الميزة».

وتحول أمريكا إلى قوة عظمى في مجال النفط والغاز، يسبق عهد ترامب بزمن طويل. فقد بُني هذا التحول على مدى عقدين، من خلال الابتكار التكنولوجي، والاستثمارات الضخمة في خطوط الأنابيب والبنية التحتية، والسياسات الداعمة في عهد الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين، على حد سواء.

وفي منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، كانت الولايات المتحدة تعتمد على الواردات لتأمين 60 % من احتياجاتها النفطية. وبحلول عام 2019، انخفضت واردات النفط بمقدار الثلث، إذ أدى التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي إلى إطلاق العنان لاحتياطيات هائلة من النفط والغاز الصخري المحلي، ما حفّز الإنتاج المحلي، وساهم في تحويل الولايات المتحدة إلى مُصدِّر صافٍ للطاقة.

وقد وفرت طفرة النفط الصخري النفط والغاز بأسعار زهيدة لدعم الاقتصاد الأمريكي، كما غيرت السياسة الخارجية الأمريكية، ومنحتها القدرة على استهداف دول مثل إيران وروسيا وفنزويلا بالعقوبات. ويقول هارولد هام مؤسس شركة كونتيننتال ريسورسز، والحليف المقرب من ترامب، إن ثورة النفط الصخري التي ساعدت شركته في ريادتها، جعلت الولايات المتحدة «مستقلة تماماً».

مع وجود كميات من الغاز تفوق قدرة خطوط أنابيبها المحلية على استيعابها، بدأت الولايات المتحدة ببناء محطات تصدير بمليارات الدولارات، لتبريد الميثان وتحويله إلى غاز طبيعي مسال، وقد أبحرت أول سفينة شحن من محطة سابين باس التابعة لشركة شينير إنرجي على ساحل خليج المكسيك في لويزيانا عام 2016. وخلال سبع سنوات، تفوقت الولايات المتحدة لتصبح أكبر مُصدِّر للغاز في العالم.

وهكذا، باتت الطاقة الأمريكية جزءاً لا يتجزأ من سلاسل الإمداد العالمية بطرقٍ كانت مستحيلة قبل جيلٍ مضى. وقبل عقدٍ من الزمن، لم تكن أوروبا تستورد تقريباً أي نفط أو غاز من الولايات المتحدة. أما في العام الماضي، فقد حصلت على حوالي 15 % من احتياجاتها من النفط، وأكثر من نصف احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال، من الولايات المتحدة.

وبموجب بنود اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ستشتري الدول الأعضاء طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار بحلول عامي 2028 - 2029. يقول مايك سومرز الرئيس التنفيذي لمعهد البترول الأمريكي، وهو مجموعة صناعية: «من الواضح أن الاستثمار في الطاقة على مستوى العالم، ليس فقط للشركات الأمريكية، بل وللشركات الأوروبية أيضاً، يكمن هنا في الولايات المتحدة. وأرى أن هذا يصب في مصلحة استقرار الطاقة العالمي على المدى الطويل». لكن يبقى هناك قدر غير قليل من القلق، من أن الولايات المتحدة، التي غيرت مسارها في عهد ترامب لتعزيز النفط والغاز، وخفض الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، قد تعود إلى النهج السابق، في ظل إدارة ديمقراطية مستقبلية. في أكتوبر، حذرت كوليت هيرستيوس رئيسة شركة شل في الولايات المتحدة، من أن هذا الغموض «مدمر للغاية». وفي الشهر الماضي، خلال فعاليات «أسبوع سيرا»، أكبر مؤتمر للنفط والغاز في الولايات المتحدة، حذر العديد من المسؤولين التنفيذيين من أن هذه السياسات الفوضوية، تخلق حالة من عدم الاستقرار، وتقلبات الأسعار وشبح الركود. وعلى المدى البعيد، ومع ازدياد تكلفة استخراج احتياطيات النفط الصخري الأمريكية، وتهديد الإنتاج بالوصول إلى مرحلة الاستقرار، فإن السيطرة على النفط الفنزويلي ستكون مكسباً استراتيجياً، بحسب بيرناتوفا، المستثمرة في قطاع الطاقة.

وفي الوقت الراهن، تكافح الشركات الأمريكية لمواكبة الطلب. لكن مشاريع النفط والغاز الجديدة، تتطلب سنوات لتشغيلها. وتشير تقديرات الحكومة الأمريكية إلى أن إنتاج البلاد لن يرتفع إلا بمقدار 340 ألف برميل يومياً خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. ويخشى مشغلو النفط الصخري، القادرون على زيادة إنتاجهم بأسرع وقت، من تحول الازدهار إلى كساد، حيث يصرح الرئيس مراراً وتكراراً برغبته في انخفاض أسعار النفط إلى مستوى يجعل العديد من مشاريعهم المكلفة غير مجدية اقتصادياً.

وتتمتع دول أخرى أيضاً، بوضع جيد للاستفادة من ارتفاع الأسعار، لا سيما دول نصف الكرة الغربي، التي تُزيد إمداداتها بوتيرة أسرع، مثل البرازيل وكندا وغيانا. ويقول إيرا جوزيف باحث مشارك أول في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا: «أي دولة في وضع يسمح لها بزيادة الإمدادات ستسعى إلى ذلك. حتى الدول التي تتطلع إلى خفض انبعاثات الكربون، ستسعى جاهدة لإنتاج المزيد من النفط والغاز. ووصول سعر النفط إلى 100 دولار يُحفز على التنقيب». من ناحية أخرى، يرى عدد من الخبراء أنه من غير المرجح أن تُفيد الفوضى الناجمة عن حرب إيران قطاع النفط والغاز على المدى المتوسط إلى الطويل، فمواجهة الدول المستوردة للطاقة ارتفاعاً حاداً في التكاليف، تدفع بعضها إلى ترشيد استهلاك الوقود وسط النقص. وقد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الإقبال على السيارات الكهربائية، وهو ما يعود بالنفع على الصين، التي وسّعت صادراتها من السيارات الكهربائية منخفضة التكلفة بسرعة، وأغرقت الأسواق العالمية. كذلك، فإن استمرار انقطاع إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، قد يُسرّع التحول الهيكلي في أنظمة الطاقة العالمية، بعيداً عن النفط والغاز. وقد دفعت أحدث صدمات الطاقة، ضمن سلسلة من الصدمات، ودفعت الحكومات في جميع أنحاء العالم إلى التساؤل عن كيفية تعزيز مصادر الطاقة المحلية، والابتعاد عن واردات الوقود الأحفوري. ويقول سبنسر ديل كبير الاقتصاديين السابق في شركة بي بي: «تُظهر دروس التاريخ أن الصدمات المتعلقة بأمن الطاقة، تترك آثاراً عميقة. ولنتذكر أن حصة النفط في الطاقة العالمية بلغت ذروتها عام 1973، لكن بعد أزمة النفط لم تعد إلى سابق عهدها». ويضيف أن أوروبا، التي تضررت من اعتمادها السابق على روسيا في إمدادات الغاز، ستشعر بالقلق من الاعتماد المفرط على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، لا سيما بعد أن استخدم المسؤولون الأمريكيون الطاقة كسلاح في المفاوضات التجارية الشهر الماضي.

يقترح أن تُعطي أوروبا الأولوية لخطوط أنابيب الغاز من شمال أفريقيا، أو تُعزز الإمدادات من آسيا الوسطى، وأن تُخفف الدول القيود التنظيمية، لجعل مصافيها المحلية أكثر تنافسية، لضمان توفر الوقود الكافي لديها. ومن المرجح أيضاً أن تُعزز الحكومات مصادر الطاقة المحلية، بما في ذلك الفحم والطاقة النووية، ومصادر الطاقة المتجددة بصفة خاصة، مع تشجيع الكهرباء، ورفع كفاءة الطاقة. وفي هذه الحالة، سيحصل قطاع النفط والغاز الأمريكي على «حصة أكبر، لكن من كعكة أصغر»، كما يقول كينغسميل بوند المحلل في مركز أبحاث الطاقة «إمبر».