جيليان تيت - روبن ويغلسورث
دعونا نتخيل هذا المشهد: الديون تتراكم بشكل متزايد، والاحتجاجات الشعبية تتصاعد، فيأتي زعيم جديد، ويتخذ خطوة جذرية - إلغاء جميع قروض المستهلكين لإعادة تنشيط الاقتصاد، وإنعاش المجتمع.
هل هذا الوصف يصلح لمستقبل أمريكا أم أوروبا أم اليابان؟ قد يظن البعض ذلك نظراً لتزايد أعباء الديون الحكومية بسرعة، والمناخ السياسي المتوتر، وضعف النمو الاقتصادي، لكن في الواقع كانت عمليات إلغاء الديون التي تقرها الدولة هي صمام الأمان الاجتماعي والاقتصادي المفضل لدى بابل القديمة.
ومع أن بابل لم تكن تمتلك نقوداً - على الأقل بالمعنى الذي نعرفه اليوم - إلا أنها كانت تمتلك نظاماً معقداً للائتمان بين التجار والفلاحين والعائلة الحاكمة، مسجلاً على ألواح طينية، وكل بضعة عقود كانت هذه الديون المتضخمة تهدد بإحداث انفجار سياسي، وتقول المؤرخة الأمريكية أماندا بوداني، إن حكام بلاد ما بين النهرين القدماء كانوا «يعلنون إعفاء من الديون».
وتثقل الضغوط المالية كاهل العالم اليوم، إلى جانب مجموعة متغيرة باستمرار من المشكلات الأخرى، وخلال الشهر الجاري عقد صندوق النقد والبنك الدوليان اجتماعهما السنوي الربيعي في واشنطن، التي شهدت طقساً دافئاً على غير العادة، ومن بين هذه التوقعات توقع بأن يرتفع الدين العام العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 100 % في عام 2029، بعد أن كان أقل من 80 % في عام 2015، ويمكن أن يصل حالياً إلى 235 % إذا ما أضيفت إليه ديون القطاع الخاص.
ويثير هذا الأمر قلقاً بالغاً في أجواء الحرب في الشرق الأوسط، واضطرابات أسواق الطاقة، وتأثير الذكاء الاصطناعي، والاضطرابات التي يشهدها قطاع الائتمان الخاص.
وقبل الاجتماع بفترة وجيزة حذر راي داليو، مؤسس صندوق التحوط «بريدج ووتر»، من أن الضغوط المالية تؤجج الصراع الجيوسياسي، والعكس صحيح، بل إنها قد تؤدي إلى ما يشبه «حرباً أهلية» في أمريكا.
وبينما يتطلع الممولون والخبراء الاقتصاديون إلى المستقبل يغفل البعض مصدراً آخر للفهم، إن لم يكن مصدراً للإلهام في السياسات وهو: التاريخ، فبينما يسهل افتراض أننا نعيش لحظة فريدة في مسيرة التطور البشري فإن العديد من التحديات التي نواجهها اليوم تحمل أصداء غريبة من الماضي، وعند دراسة تاريخ التمويل يمكن الخروج بالدروس الستة التالية:
1 - الأصول الآمنة أحياناً تكون الأكثر خطورة: لا يرغب أي مستثمر في خسارة أمواله في سوق الأسهم أو في السندات عالية المخاطر، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتفاجأ من إمكانية حدوث ذلك، وهذا أحد الأسباب التي تجعل حتى الانهيارات الكبرى وحدها نادراً ما تكفي لإحداث مشاكل اقتصادية كبيرة، وعلى سبيل المثال كان لانهيار الاثنين الأسود عام 1987 تأثير اقتصادي ضئيل، وفقد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 ما يقارب نصف قيمته عندما انفجرت فقاعة الإنترنت في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، لكن ذلك لم يتسبب إلا في ركود اقتصادي طفيف، ومع ذلك يميل النظام المالي إلى الانهيار عندما تثبت الأوراق المالية، التي افترض المستثمرون أنها متينة للغاية عكس ذلك تماماً، ومن أوائل الأمثلة على ذلك ما يعرف بـ«التخلف عن سداد ديون ترينيتي» عام 1557، عندما تخلفت فرنسا وإسبانيا وهولندا عن سداد ديونها، و«هزت أركان الاقتصاد والتجارة في أوروبا»، وفي الآونة الأخيرة كانت المخاوف بشأن سلامة حتى سندات الرهن العقاري الأمريكية عالية الجودة هي السبب الرئيسي لانهيار النظام المالي في الفترة 2007 - 2008، على الرغم من أن الخسائر الفعلية كانت في نهاية المطاف متواضعة نسبياً.
ولنتذكر هنا المقولة الشهيرة لمارك توين، الكاتب الأمريكي الساخر: «ليس ما تجهله هو ما يوقعك في المشاكل، بل ما تعتقد يقيناً أنه ليس كذلك».
2 - قد تكون الفقاعات إيجابية: يعد الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المواضيع في عالم المال اليوم، حيث وصف محللو جي بي مورغان الإنفاق الهائل، الذي يقدر بتريليونات الدولارات على مراكز البيانات، وتوليد الطاقة اللازمة لتشغيلها بأنه «حدث استثنائي في أسواق رأس المال»، ومع ذلك فإن حتى مبلغ 5 تريليونات دولار، الذي تقدر جي بي مورغان أنه يمكن إنفاقه على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية ذات الصلة بحلول عام 2030 يبدو ضئيلاً مقارنة بأكبر طفرة استثمارية في التاريخ: السكك الحديدية.
وقد تطلب هذا المشروع، الذي وصفه الجنرال ويليام ت. شيرمان بأنه «عمل العمالقة»، نفقات رأسمالية ضخمة مولت في معظمها عن طريق السندات.
وبحلول عام 1890 أصدرت شركات السكك الحديدية في الولايات المتحدة وحدها سندات بقيمة 5 مليارات دولار تقريباً، وبحساب التضخم يعادل هذا المبلغ حوالي 180 مليار دولار بأسعار اليوم، وهذا الرقم لا يظهر الحجم الهائل للمشروع، لأن الاقتصاد الأمريكي كان أصغر بكثير آنذاك، وفي عام 1890 كان مبلغ 5 مليارات دولار يمثل ثلث الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي تقريباً، لذا يمكن القول، إن موجة الاستثمار هذه تعادل إنفاق أكثر من 10 تريليونات دولار اليوم، لكن هذه الموجة انتهت إلى انهيار تاريخي غير مسبوق، ففي عام 1873 انهار بنك جاي كوك وشركاه، وهو البنك الاستثماري الرائد، الذي كان يديره الممول الأمريكي الأبرز في ذلك الوقت، فجأة تحت وطأة سندات السكك الحديدية غير المباعة، وقد تسبب ذلك في أزمة مالية هائلة، ومهد الطريق لما عرف بالكساد الكبير، وصولاً إلى الكساد الأكبر في ثلاثينيات القرن العشرين.
ومع ذلك فقد أحدثت طفرة السكك الحديدية تحولاً جذرياً في أمريكا، إذ ربطت الولايات ببعضها البعض، وحولت البلاد إلى قوة صناعية لا مثيل لها، وفيما خسر العديد من المستثمرين كل ما يملكون فإن البنية التحتية التي مولوها أثبتت أنها نعمة هائلة، بل وحددت بدرجة ما ملامح القرن، فهل سيسلك الذكاء الاصطناعي مساراً مشابهاً؟ هل ستكون بنيته التحتية متينة كخطوط السكك الحديدية؟ الأمر غير واضح، وحتى إن كانت أوجه التشابه لافتة للنظر.
3 - الرافعة المالية قاتلة: إن الدرس الواضح من كل كارثة مالية كبرى تقريباً هو أن الرافعة المالية - سواء كانت في صورة دين تقليدي من بنك، أو قرض هامشي من شركة وساطة، أو تمويل معقد مقدم من خلال عقود المشتقات - هي ما يمكن أن يحول أي أزمة إلى جحيم.
ويعد سوق إعادة الشراء، أو ما يعرف بسوق الريبو، أحد المصادر الرئيسية للرافعة المالية، وكما يوحي الاسم، ينطوي هذا السوق على بيع وإعادة شراء الأوراق المالية بهامش ربح بسيط، حيث يعمل المبلغ المدفوع كونه نوعاً من الفائدة على قرض قصير الأجل، وقد ازدادت أهمية سوق إعادة الشراء بشكل هائل، وتسببت في سلسلة من الأزمات والكوارث الصغيرة، بدءاً من إفلاس شركة درايسديل للأوراق المالية عام 1982، وصولاً إلى انهيار صندوق التحوط «إل تي سي إم» عام 1998، وفي الأزمة المالية العالمية عام 2008 كان تجميد سوق إعادة الشراء هو السبب الرئيسي في انهيار كل من بير ستيرنز وليمان براذرز.
ومع ذلك استمر سوق إعادة الشراء في النمو والتوسع منذ ذلك الحين، وتشير تقديرات وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن حجم السوق في أمريكا وحدها يبلغ الآن ما يقارب 13 تريليون دولار، بينما قدرت الرابطة الدولية لأسواق رأس المال، وهي هيئة تجارية، مؤخراً أن حجم سوق إعادة الشراء الأوروبية يبلغ حوالي 14 تريليون يورو.
4 - التعقيد خطير: عندما جنحت ناقلة النفط العملاقة إكسون فالديز، وتسببت في تسرب 11 مليون جالون من النفط الخام قبالة سواحل ألاسكا عام 1989، أسهمت دون قصد في ظهور مشتقات الائتمان، فقد كان بنك جيه بي مورغان ملزماً بخط ائتمان بمليارات الدولارات سحبته شركة إكسون موبيل لتغطية تكاليف التنظيف والغرامات اللاحقة، ولأن البنك لم يكن مرتاحاً لهذا القدر من المخاطرة تجاه عميل واحد، ومثقلاً برأس المال الذي كان عليه تخصيصه لهذا السبب، طلب من خبراء المشتقات لديه إيجاد حل، فاستجابوا بابتكار أداة مالية - مقايضات التخلف عن السداد - توفر تأميناً ضد القروض المتعثرة، ويمكن تداولها أيضاً.
وكان لهذا الأمر فوائد جمة، لكن مقايضات التخلف عن سداد الائتمان أدت لاحقاً إلى ظهور «التزامات دين مضمونة» اصطناعية بالغة التعقيد، وهي التي انفجرت بشكل مذهل في عام 2008.
5 - العملات المستقرة موضوع ساخن: يجادل المؤيدون بأن هذه العملات قادرة على جعل النظام المصرفي أسرع وأفضل وأقوى وأكثر عدلاً، بينما يقول المنتقدون إنها قد تقوض الاستقرار المالي، وتغذي الجريمة، وتمكن الإرهاب، وكما هو الحال، يقدم التاريخ دروساً حتى في هذا الشأن، ففي أمريكا ما قبل الحرب الأهلية - وهي الفترة سريعة النمو والفوضوية بين الحرب الأمريكية مع بريطانيا في الفترة 1812 - 1815 والحرب الأهلية، التي اندلعت عام 1861 - كان مفهوم «المال» غامضاً أيضاً.
لم يكن لدى الولايات المتحدة بنك مركزي حقيقي، وكان يسمح لأي بنك تجاري مرخص من الولاية بإصدار عملة ورقية، يفترض أن تكون مدعومة بأصول مادية مثل الذهب، وفي الواقع انتهكت العديد من المؤسسات في ما سمي عصر «الخدمات المصرفية الحرة» حتى أبسط قوانين الدولة، واشتهرت بطباعة النقود بسخاء، وأطلق عليها اسم «البنوك غير القانونية».
وأسهمت هذه الاضطرابات في نهاية المطاف في حال الذعر، التي سادت عام 1857، وقضت على أجزاء كبيرة من القطاع المصرفي الأمريكي، وفي عام 1863 أصدرت الحكومة الأمريكية قانون البنوك الوطنية، الذي ألزم جميع البنوك بتغطية إصداراتها من الأوراق النقدية بحيازات من ديون الحكومة الأمريكية.
وقد سعت إدارة ترامب إلى فعل شيء مماثل مع العملات المستقرة، حيث نصّ ما يسمى قانون «جينيوس» على وجوب تغطية رموز العملات المشفرة بنسبة واحد إلى واحد بالدولار الأمريكي أو أصول آمنة أخرى.
6 - غالباً ما تزرع بذور الأزمة التالية في ردود الفعل على الأزمة السابقة: كادت أزمة مؤسسات الادخار والقروض الأمريكية أن تنسى، لكنها شهدت واحدة من أكبر موجات الإفلاس المصرفي في التاريخ، ومهدت الطريق لأزمة مالية عالمية أشد وطأة اندلعت عام 2008، وأدى ارتفاع أسعار الفائدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى جانب اللوائح القديمة، التي حدّت من عوائد البنوك للمودعين، وموجات الإقراض العقاري غير المدروسة، إلى انهيار قطاعات واسعة من البنوك المحلية الصغيرة في الولايات المتحدة.
وكانت الخسائر الاقتصادية فادحة، إذ كلفت عمليات التعافي اللاحقة الحكومة الأمريكية وحدها ما يقارب 200 مليار دولار، وفقاً لتقرير صادر عن مكتب الميزانية في الكونغرس عام 1993، ومع ذلك تمثلت أبرز آثار أزمة مؤسسات الادخار والقروض في أنها أسهمت في تحفيز نمو سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، وشجعت على تحرير القطاع المالي، وألهمت ابتكار مشتقات الائتمان، ولعبت العوامل الثلاثة أدواراً رئيسية في كارثة عام 2008.
هذه القائمة ليست شاملة بالتأكيد، فهناك دروس لا حصر لها، صغيرة كانت أم كبيرة، يمكن استخلاصها من آلاف السنين من الكوارث المالية والاقتصادية، لكن النقطة الأهم هي أن دراسة التاريخ تكسبنا الحكمة، ومن لا يفعل ذلك محكوم عليه بتكراره، كما أشار ونستون تشرشل ذات مرة.