العبث بتعريف «الكيماويات الأبدية» يزيد الضرر بالبيئة والإنسان

أنجانا أهوجا
تتزايد الدلائل على أن الجزيئات المعروفة باسم «الكيماويات الأبدية»، والتي باتت تستخدم على نطاق واسع في منتجات يومية مثل مستحضرات التجميل، وأواني الطهي المقاومة للالتصاق، والملابس المقاومة للماء، يمكنها التراكم في البيئة وفي جسم الإنسان، ما يضر بكليهما.

وفي العام الماضي، أعلنت أرفع منظمة عالمية في الكيمياء تشكيل لجنة لإعادة النظر في كيفية تعريف هذه المواد الكيميائية — المعروفة رسمياً باسم «المواد المشبعة أو شبه المشبعة بالفلور».

وقد أثار هذا الإعلان استياء بعض الباحثين، الذين يشكّون في أن عملية إعادة التقييم التي سيقوم بها «الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية» قد تؤدي إلى تضييق التعريف، ما يسمح لبعض المواد الكيميائية الأبدية بالإفلات من الرقابة التنظيمية. ويؤكد المعترضون أن التعريف المعتمد حالياً يستند إلى العلم، ولا مبرر لتعديله، معتبرين أن المبادرة الجديدة مدفوعة بدوافع سياسية أو اقتصادية لا علمية.

لكن اعتراضاتهم تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار؛ فقد أشار بيان الاتحاد في أسباب إعادة تعريفه لفئة من الكيماويات الموجودة منذ عقود إلى التشريعات الأوروبية وقال إنه «أمر غير عملي» أن يتم فرض حظر محتمل على نحو 9 آلاف مادة من «المواد المشبعة أو شبه المشبعة بالفلور» بدءاً من عام 2026. وهذا تصريح غريب، لأنه من غير الواضح لم يمكن لتعريف كيميائي دقيق وضعته أهم جهة كيميائية في العالم، أن يستند إلى أي شيء غير الكيمياء نفسها.

ويعود تطوير الكيماويات الأبدية، والتي تتميز بهيكل من ذرات كربون مرتبطة بذرات فلور إلى أربعينيات القرن الماضي. وقد جعلت مقاومتها للزيت والشحم والمياه منها منتجاً ناجحاً تجارياً. لكن هذه الصفات نفسها جعلت جزيئات هذه المواد غير قابلة للتحلل في الطبيعة، سواء في المياه أو التربة أو الجو، وفي السلسلة الغذائية، وفي الدم، وفي أعضاء جسم الإنسان.

وقد ارتبطت هذه المواد بأمراض السرطانات، والسِمنة، وانخفاض معدل الخصوبة. وقد سدد مصنعون، مثل «ثري إم» و«دوبونت»، مبالغ طائلة لتسوية دعاوى قضائية متعلقة بتأثير مواد الألكيل المشبع بالفلور ومتعددة الفلور على الصحة والبيئة.

وليس من المعروف العدد المحدد للمواد المشبعة أو شبه المشبعة بالفلور القديمة أو الجديدة لأن بعضها تم تصنيعه دون توثيق، لكن التقديرات تتراوح بين 5 آلاف و12 ألف مادة. وقد أدى انتشار هذه المواد، إلى جانب تزايد المخاوف بشأن تأثيرها على الصحة والبيئة، إلى قيام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية باستشارة علمية للحصول على تعريف يشمل جميع مركبات المواد المشبعة أو شبه المشبعة بالفلور. وانتهت هذه المشاورات عام 2021 بمشاركة هيئات كيميائية من حول العالم.

وأعرب الأكاديميون العشرون المحتجون على إعادة النظر، في رسالة بعثوا بها إلى مجلة «رسائل العلوم والتكنولوجيا البيئية» الشهر الجاري، عن مخاوفهم من أن أي تحرك جديد من قبل الاتحاد الدولي للكيمياء قد «يستثني بعض المجموعات الفرعية من المركبات الفلورية من نطاق التعريف الحالي».

ونظراً لأن الاتحاد ينظر إليه باعتباره المرجع النهائي لكل ما يتعلق بالكيمياء، بما في ذلك أسماء المواد الجديدة في الجدول الدوري، فإن قراره سيكون مؤثراً. وقالت رسالة العلماء: «قد يؤدي تعريف جديد أضيق نطاقاً إلى تبني الهيئات التنظيمية وغيرها سياسات أقل حماية».

وعمل غابرييل سيغموند، الباحث في الملوثات المجهرية لدى جامعة فاخينينجن في هولندا، على التنسيق لإرسال هذه الرسالة الاحتجاجية. وشارك في توقيع هذه الرسالة، علماء من الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمملكة المتحدة، والسويد، وسويسرا، بين آخرين، وبعض ممن عملوا على التعريف الذي وضعته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وعلمت «فاينانشال تايمز»، أن أكثر من 200 عالم أضافوا توقيعاتهم في وقت لاحق.

وقال ألكس فورد، العالم في سموم البيئة البحرية لدى جامعة بورتسموث في المملكة المتحدة، إنه وقع على الرسالة لأن تعديل التعريفات قد «يزرع الشك ويسفر عن الكثير من البلبلة»، مشيراً إلى وجوب سيادة المبدأ الوقائي. وأضاف: «ما زلنا نرى الآثار الضارة للكيماويات التي حظرناها قبل عقود في الحياة البرية... إنها مستقرة كيميائياً، وشديدة الانتشار، وكلما بحثنا فيها أكثر نجد أنها سامة».

وكما هو شائع في أوساط الباحثين الأكاديميين، توجد صلات قديمة أو حالية لاثنين على الأقل من أعضاء اللجنة الجديدة التي يشكلها الاتحاد الدولي للكيمياء بالصناعة.

وأفصح بيير أنغلو ميترانغولو، الرئيس المشارك والكيميائي الذي يعمل في ميلانو، عن تقديمه أعمالاً استشارية لشركة «سولفاي سوليكسيس» في سيرته الذاتية المتاحة للجمهور. وفي عام 2023، دفعت الشركة الأم «سولفاي» قرابة 400 مليون دولار لتسوية دعوى قضائية متعلقة بالمواد المشبعة أو شبه المشبعة بالفلور في ولاية نيوجيرسي.

لكن لا توجد أدلة على تورط ميترانغولو في هذا الأمر. لكنه أفاد سابقاً بأن اللجنة الجديدة «لم تنتهِ إلى أي قرار بعد، وليست هناك دلائل على أن مجموعة فرعية بعينها من هذه الكيماويات ستستبعد». أما الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية، فلم يرد على طلب التعليق.

إنه من المغري التعاطي مع هذا الخلاف على أنه مسألة فنية، وغامضة، وغير مهمة.

لكن تعريف مادة كيميائية أبدية مهم لنا جميعاً، فشأنه شأن الكيماويات نفسها، سيظل هذا التعريف باقيا لعقود مقبلة، وسيؤثّر على البحوث، والممارسات الصناعية، والقواعد التنظيمية، وكذلك الدعاوى القضائية ذات الصلة بالمسؤولية القانونية.