لم يعد بإمكان دول العالم تأجيل معالجة قضية أمن الطاقة

نيام برودي - ماشورا
من الواضح للكثير من دول العالم أن الحرب في منطقة الشرق الأوسط ينبغي أن تسرع مساعي التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وبالفعل فإن إحدى أهم النتائج المباشرة للصراع الحالي في الشرق الأوسط هي عودة مسألة إمدادات الطاقة - ومن يسيطر عليها - إلى صدارة اهتمامات الحكومات.

ولم تكن أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي مجرد زلزال تضخمي، بل أجبرت الحكومات في كل مكان على إعادة تقييم مفهوم الأمن القومي والقدرة على الصمود، وقد شكلت الاستجابة، من حيث السياسة الصناعية والاستثمار، المشهد الجيوسياسي ونظام الطاقة الذي نشهده اليوم، وقد تتكرر ديناميكيات مماثلة هنا، ولذلك يتعين على المستثمرين الانتباه وتعديل محافظهم الاستثمارية وفقاً لذلك.

وبعد صدمة سبعينيات القرن الماضي شهدنا سريعاً قيام الاقتصادات الكبرى بإنشاء احتياطات استراتيجية من الطاقة، بالإضافة إلى مبادرات واسعة النطاق لترشيد الاستهلاك، ولكن الأهم من ذلك بالنظر إلى الماضي كان التحفيز الذي أطلقته الحكومات القلقة على جانب العرض، وريادة الدنمارك العالمية في مجال طاقة الرياح، ومحطات الطاقة النووية منخفضة الكربون في فرنسا، وقوة اليابان في التصنيع الموفر للطاقة، كلها عوامل أسهمت في تسريع هذا التطور بفضل هدف مشترك: تقليل الاعتماد على الوقود المستورد، كما أحدثت المكاسب التي حققتها شركات صناعة السيارات اليابانية في مجال كفاءة استهلاك الوقود تحولاً جذرياً في كيفية اختيار المستهلك الأمريكي للسيارات.

فكما كان الحال مع تويوتا آنذاك ينطبق الأمر نفسه على شركة «بي واي دي» الصينية لصناعة السيارات الكهربائية اليوم، إلا أن التحولات ليست سهلة أبداً، فسيارات تويوتا في سبعينيات القرن الماضي كانت تُزود بالوقود من نفس محطات شيفروليه، ولا تزال البنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية قيد الإنشاء، ومن شأن الارتفاع الكبير في أسعار النفط أن يُسرّع من وتيرة الاستثمار اللازم.

وبينما لا تزال تكاليف التحول إلى نموذج منخفض الكربون كبيرة فإن التغيرات في اقتصادات إمدادات الطاقة تتجه لصالح الحلول المتجددة، ويتعين على كل دولة، وكل منطقة لا تزال تستورد الطاقة - وخصوصاً أوروبا - إعادة النظر في القرارات التي ستدعم قواعدها الاستهلاكية والصناعية للعقود المقبلة.

لقد قدم الشهر الماضي درساً بالغ الأهمية، فالدول التي دعمت توليد الطاقة منخفضة الكربون، وثابرت على هذا النهج لعقود طويلة باتت تجني الآن ثمار جهودها، وتشكل مصادر الطاقة منخفضة الكربون - كالطاقة الشمسية، والطاقة النووية، والطاقة الكهرومائية - الأغلبية العظمى من الطاقة اللازمة لتوليد الكهرباء في فرنسا وإسبانيا ودول الشمال الأوروبي، وهي الآن في مأمن من أسوأ آثار ارتفاع أسعار الطاقة، أما الدول الأخرى فلا يزال أمامها الكثير لتفعله.

وعلى سبيل المثال كانت نسبة الوقود الأحفوري في مزيج الطاقة الإجمالي لتوليد الكهرباء في دول الشمال الأوروبي وفرنسا أقل من 5% في عام 2024، وتشير بيانات التداول إلى أن متوسط سعر الطاقة في عام 2027 لهذه الدول سيبلغ 46.3 يورو، و56.9 يورو لكل ميغاواط ساعة على التوالي.

في المقابل فإن إيطاليا وألمانيا - اللتين بلغت نسبة مساهمة الوقود الأحفوري في مزيج الطاقة لتوليد الكهرباء فيهما 50% و39% على التوالي في عام 2024 - ستبلغ تكلفة الطاقة فيهما في عام 2027 107 يورو/ميغاواط ساعة و97 يورو/ميغاواط ساعة على التوالي.

ويكمن جوهر مشكلة المرونة في مسألة التحكم، فمع الوقود الأحفوري المستورد، لا يتم تحديد التدفق المادي ولا السعر محلياً، ويعتمد الإمداد على طرق النقل المعرضة للخطر، سواء كانت بحرية أو غيرها، بينما يتم تحديد الأسعار في الأسواق العالمية.

هذا يجعل حتى الاقتصادات المتنوعة جيداً عرضة للصدمات التي لا تُسببها ولا تُديرها. لا يزيل توليد الطاقة محلياً المخاطر، ولكنه يحولها إلى مجالات يمكن إدارتها: البنية التحتية، واللوائح التنظيمية، والاستثمار الرأسمالي.

تلقت أوروبا تذكيراً صارخاً بهذه الحقيقة مع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وتستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في تقليص القدرة التنافسية الصناعية، لا سيما في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وبات الهدف الاستراتيجي واضحاً بشكل متزايد: تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد إلى أدنى حد ممكن، واستعادة السيطرة على نظام الطاقة.

وقد أدركت الصين مبكراً أهمية أمن سلسلة التوريد، والقرارات التي اتخذتها قبل سنوات بشأن مصادر الطاقة المتجددة هي ما حصنها جزئياً من صدمة النفط هذه، كما تدعم قاعدة الطاقة هذه قطاعاً صناعياً منخفض التكلفة يحسد عليه في العالم. يجب أن يكون أفضل دفاع عن القاعدة الصناعية الأوروبية على المدى الطويل هو ودعم قدرتها التنافسية. سيكون لتكلفة الطاقة وموثوقيتها دور حاسم.

بشكل أعمّ يكمن الدرس في أن صدمات الطاقة لها آثار طويلة الأمد، وقد شكلت الخيارات السياسية، التي اتخذت استجابة لأزمات السبعينيات ملامح النصف قرن التالي، وقد يتكرر الأمر نفسه.

وقد لا يكون النفط هو العائق التالي أمام النمو، فمع استمرار التقدم المذهل في مجال الذكاء الاصطناعي، يمكن النظر إلى القدرة الحاسوبية ليس فقط كونه فرصة بل أيضاً كونه نقطة ضعف، إذ لا يقتصر الأمر على ما يمكن ابتكاره، بل أيضاً على ما يمكن استدامته.

ويعتمد التقدم المستمر على الطاقة والمياه وسلاسل التوريد الصناعية، التي تدعم قطاع التكنولوجيا، وقد لا تكون القيود الحاسمة هي التقنيات نفسها، بل البيئات التي تدعمها، والدول التي تدرك ذلك مبكراً، وتستثمر وفقاً لذلك، ستشكل ملامح العصر المقبل.