باتريك جينكينز
منذ فجر الحضارة الإنسانية، ارتبط العالم ارتباطاً وثيقاً بصادرات منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من المنسوجات والتوابل في العصور القديمة وصولاً إلى النفط وأسواق العطلات اليوم.
لذلك، من المهم عدم تعطل هذه التدفقات التجارية المادية، لما يمكن أن يترتب عليها من خطر ارتفاع التضخم.
ومن الملاحظ أن أي تأثير لتعطل صادرات رؤوس الأموال من الشرق الأوسط يعد أقل خضوعاً للتحليل. وتُعدّ صناديق الثروة السيادية في المنطقة، من بين أكبر المستثمرين في العالم. فهي تُجري عمليات الاندماج والاستحواذ وتموّلها، وتدعم استثمارات رأس المال الخاص، وتضخّ الأموال في أكبر شركات إدارة الأصول.
وقد عكست نتائج الربع الأول من العام، والتي شهدت ازدهاراً كبيراً، لعمالقة وول ستريت، ولا سيما الطفرة في رسوم الاندماج والاستحواذ التي حققتها بنوك مثل غولدمان ساكس وجيه بي مورغان، والتدفقات القوية التي سجلتها بلاك روك، الأهمية المستمرة لصناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط.
وبحسب مؤسسة «صناديق الثروة السيادية العالمية» البحثية، ضخّ المستثمرون السياديون أكثر من 140 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي العام الماضي. وعلى الرغم من تباطؤ نشاط عمليات الاندماج والاستحواذ العالمية عموماً، شهد الشرق الأوسط نمواً قوياً في عام 2025: إذ بلغت قيمة الصفقات في دول مجلس التعاون الخليجي وحدها نحو 73 مليار دولار، بزيادة نسبتها 170%، وفقاً لشركة المحاماة «إيه آند أو شيرمان».
ومع أن جزءاً كبيراً من أموال الصناديق السيادية لا يزال يُستثمر بهدوء، إلا أن الجرأة التي تتسم بها هذه الصفقات تتزايد بشكل ملحوظ. فإلى جانب «سيلفر ليك» و«أفينيتي بارتنرز»، نفّذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، صندوق الثروة السيادية، أكبر عملية استحواذ ممولة بالديون في العالم العام الماضي، عندما استحوذ على مجموعة «إلكترونيك آرتس» الأمريكية الخاصة للألعاب الإلكترونية في صفقة بلغت قيمتها 55 مليار دولار. وقد وفّر بنك «جيه بي مورغان» تسهيلات ائتمانية قياسية بقيمة 20 مليار دولار لدعم هذه الصفقة.
ومع استمرار التوترات في منطقة الشرق الأوسط، حرص المستثمرون في وول ستريت على إظهار ثقتهم بأن الحرب في المنطقة لم تُغير شيئاً في مجال التمويل، وأن تدفقات الاستثمار الخليجية ستستمر دون انقطاع، وليس في اتجاه واحد فقط.
وقد قاد جون غراي، رئيس شركة بلاكستون، حملةً لكسب التأييد في المنطقة، حيث كشف عن استثمار بقيمة 250 مليون دولار في مجموعة بنية تحتية للمدفوعات في الإمارات. وفي أواخر العام الماضي، دخلت بلاكستون في شراكة مع مجموعة هيومين، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، في صفقة مراكز بيانات بقيمة 3 مليارات دولار.
وتُجسد هاتان الصفقتان تطور إبرام الصفقات في المنطقة: فقبل عقد أو أكثر، كانت أموال الخليج تُوجه إلى الخارج نحو مجموعة من الأصول القيّمة؛ أما اليوم، فتركز الدول استثماراتها بشكل أكبر على الأولويات الاستراتيجية، مثل الذكاء الاصطناعي، وتنظيم سلاسل التوريد، والتحول في قطاع الطاقة. كما تُطالب صناديق الثروة السيادية باستثمارات أجنبية من شركائها الأمريكيين، إلى جانب التزامات بفتح مكاتب، وتدريب الموظفين، وتبادل الملكية الفكرية محلياً.
وفي ما يتعلق بتأثيرات الحرب في الشرق الأوسط، فقد حاول كبار اللاعبين في وول ستريت، خلال مكالمات الأرباح الأسبوع الماضي، إظهار تفاؤلهم قدر الإمكان عند سؤالهم عن احتمال تعطل تدفق الصفقات الحيوية. وتناول لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، الموضوع بشكل مباشر، مؤكداً أن «الأموال لا تزال تتدفق إلى صناديقهم السيادية؛ ولم يتغير السلوك الاستثماري».
ويتفق الخبراء على أن توجه حكومات الشرق الأوسط نحو تنويع اقتصاداتها وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري - والذي يتم في الغالب عبر وسطاء وول ستريت - من غير المرجح أن يتغير. إلا أن المجهول الأكبر يكمن في كيفية تأثير الصراع الحالي في أولويات الاستثمار في المنطقة خلال العام أو العامين المقبلين.
