روبرت أرمسترونغ - هاكيونغ كيم
خصوصية فريدة لسندات الخزانة الأمريكية، فلا يوجد أصل آخر يضاهيها في مزيج السيولة، وأمان رأس المال الاسمي.
كما أن أمطار مارس جلبت أزهار أبريل، فإن الارتفاع الذي شهدته الأسواق خلال الأسابيع الثلاثة الماضية كان بمثابة ترحيب كبير، تماماً كدفء الطقس، وأبرز ما في الأمر هو الأداء القوي لأسهم النمو الأمريكية الكبرى.
لقد ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 للنمو بنسبة 16 %، لكن من الملاحظ أيضاً أن أداء معظم الأسهم الأخرى كان جيداً للغاية، بفضل ذلك، أسهم الشركات الأمريكية الصغيرة، والأسهم الأوروبية، والأسهم اليابانية، وخصوصاً أسهم الأسواق الناشئة، فما الذي أدى إلى هذا النمط المحدد من الارتفاع؟
وبالنظر إلى التفاصيل نجد أن أسعار الفائدة بلغت ذروتها، وبدأت بالانخفاض في 30 مارس، ويؤدي خفض أسعار الفائدة إلى تيسير الأوضاع النقدية، ويفسر جزئياً ارتفاع أسعار الأصول المضاربة مثل البيتكوين والذهب (مع العلم بأن الذهب لا يزال ينظر إليه كونه أصل مضاربة أكثر منه ملاذاً آمناً)،
كما يمهد ذلك الطريق لانخفاض ملحوظ في قيمة الدولار، مع تغير فروق أسعار الفائدة. ويفسر ضعف الدولار بدوره جزءاً من قوة أسهم الأسواق الناشئة، فقوة الدولار تدفع رؤوس الأموال إلى سحب رؤوس أموالها من الأنظمة المالية الناشئة (ويفسر انخفاض أسعار النفط جزءاً كبيراً من الباقي).
وبالنظر إلى أداء قطاعات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 يبرز بوضوح الارتفاع الكبير في أسهم شركات التكنولوجيا السبع الكبرى، وتسهم هذه الشركات السبع الرائعة بنسبة 60 % من عائد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 خلال فترة الارتفاع (مع احتسابنا لشركة برودكوم، وليس تسلا، كونها عضواً سابعاً)، لكننا لا نعتقد أننا نشهد انعكاساً مفاجئاً في معنويات قطاع التكنولوجيا، بل يبدو أنه انعكاس عام، فالقطاعات التي تضررت بشدة هي التي حققت أعلى نسبة انتعاش.
ومع صعوبة التنبؤ بميول السوق فإنه من الصعب أيضاً تجاهل الاستنتاج بأن ما حدث في الأسواق في 30 مارس هو بدء تغير المواقف تجاه الحرب في الشرق الأوسط، حيث تم استبعاد أسوأ النتائج تدريجياً من السوق منذ ذلك الحين. ويتوافق هذا التفسير مع عودة تقلبات السوق المتوقعة على المدى القصير - كما يقيسها مؤشر فيكس VIX للتقلبات إلى مستويات ما قبل الحرب، وبالطبع مع انخفاض أسعار النفط.
وفي سوق الأسهم يُعزى هذا التحول في الميول على الأرجح إلى حقيقة أن توقعات الأرباح لم تتوقف عن الارتفاع، ما جعل التقييمات مغرية للغاية. تداول السوق لفترة وجيزة بأقل من 20 ضعف الأرباح، لأول مرة منذ موجة البيع التي أعقبت «يوم التحرير» قبل عام. وعموماً يبقى أداء الأسهم جيداً بعد انحسار تلك الصدمة السياسية، ويتذكر الجميع الأداء المميز للأسهم بعد انحسار تلك الصدمة السياسية. يتضمن كل هذا، بطبيعة الحال، توقعاً بأن حصار مضيق هرمز لن يستمر إلى أجل غير مسمى.
من جانبها تتميز سندات الخزانة الأمريكية بخصوصية فريدة، فلا يوجد أصل آخر يضاهيها في مزيج السيولة، وأمان رأس المال الاسمي، وفعاليتها كونها ضماناً. ونتيجة لذلك غالباً ما تحمل هذه السندات «عائد تيسير»، إذ تدفع سندات الخزانة الأمريكية معدل فائدة أقل من الأوراق المالية الأخرى ذات المدة والهيكل وحتى الجودة الائتمانية المماثلة. وفي أوقات الأزمات عندما تكون السيولة هي كل شيء ويطلب المقرضون ضمانات قوية يميل عائد التيسير إلى الارتفاع. لا توجد طريقة متفق عليها لحساب عائد التيسير بدقة، لكن الطريقة السريعة والتقريبية هي مقارنة عائد سندات الخزانة بعائد سندات الشركات المصنفة AAA ذات أجل استحقاق مماثل، ويقدر أن عائد التيسير في الطرف الطويل من منحنى سعر الفائدة يتراوح بين 10 و40 نقطة أساس.
وقد أشار العديد من الباحثين مؤخراً إلى انخفاض عائد التيسير. وتتناول ورقة من إعداد فيرال أشاريا وتوماس لاريتس من كلية ستيرن بجامعة نيويورك انخفاض عائد التيسير للسندات طويلة الأجل في أعقاب الحرب التجارية التي اندلعت في أبريل الماضي. وتعتمد طريقتهما في تحديد عائد الملاءمة على حساب الفرق بين عوائد سندات الخزانة الاسمية وعوائد سندات الخزانة الاسمية «الاصطناعية»، المشتقة من سندات الخزانة المحمية من التضخم ومقايضات التضخم المتداولة، والتي تتمتع بالخصائص المالية لسندات الخزانة ولكن ليس بملاءمتها.
وفي الفترة من أواخر مارس إلى 10 أبريل 2025 قاما بحساب يشير إلى أن عائد الملاءمة على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات انخفض بنحو 10 نقاط أساس، وهو انخفاض ملحوظ مقارنة بمتوسطه البالغ 24 نقطة أساس منذ عام 2005. في المقابل شهدت سندات الخزانة قصيرة الأجل ارتفاعاً في علاوة سعرها.
ويوضح أشاريا ولاريتس أن سندات الخزانة لأجل 10 سنوات أظهرت تبايناً إيجابياً مع الأسهم في تلك الفترة أيضاً، ما قلل من جدواها بالنسبة للمشاركين في السوق، أما الاقتصاديان ييلي تشين وكيفن بلودورث من بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس فيقيسان عائد الملاءمة من خلال النظر إلى الفرق بين سعر مقايضة أسعار الفائدة وعائد سندات الخزانة لنفس أجل الاستحقاق، ويتفقان على أن عائد سهولة الحصول على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات قد انخفض وأصبح الآن سالباً، لكنهم يجادلان بأن هذه العملية بدأت منذ الأزمة المالية العالمية، وشملت جميع آجال الاستحقاق، بل إنها واضحة أيضاً في سندات سيادية رئيسية أخرى.
وقد يكون مراقبو السندات هم السبب، إذ ازداد الضغط المالي الناجم عن عجز الموازنة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان منذ أزمة 2008، لكن تشين وبلودورث يشيران أيضاً إلى التشديد الكمي، الذي أغرق السوق بالسندات، ما وفر سيولة الضمانات، وهما يجادلان بأن عائد سهولة الحصول على السندات أصبح سالباً في جميع السندات الحكومية عالية الجودة، حيث لجأت البنوك المركزية الكبرى، مثل بنك إنجلترا وبنك اليابان، إلى التشديد الكمي لمواجهة تضخم العجز المالي والتضخم، والجدير بالذكر أن عائد سهولة الحصول على سندات الخزانة في هذا الرسم البياني بدأ يرتفع قليلاً مرة أخرى حتى قبل أن يعلن الاحتياطي الفيدرالي رسمياً نهاية عمليات التشديد الكمي، فهل يعني انخفاض عائد سهولة الحصول على السندات تدهور مكانة سندات الخزانة كونه أصلاً آمناً طويل الأجل؟ هذا سؤال يمكن الإجابة عنه بشكل قاطع عندما يكون السوق تحت ضغط. وعندما تتوفر السيولة بكثرة ويتجه المستثمرون نحو المخاطرة فمن الطبيعي أن تكون عوائد السيولة منخفضة، ونحن على ثقة بأن السوق والاقتصاد سيوفران لنا في نهاية المطاف فرصة طبيعية للتقييم.
