الصفقات الضخمة القياسية تتحدى مخاوف السوق والتقلبات الجيوسياسية

في ظل إدارة أمريكية يقودها الرئيس دونالد ترامب، يعتبر الحجم الأكبر هو الأفضل. لذا، ربما كان من المنطقي أن يتم إبرام عدد قياسي من «الصفقات الضخمة» خلال الربع الأول من عام 2026.

فقد تم الاتفاق على نحو 22 صفقة، تزيد قيمة كل منها على 10 مليارات دولار، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن، وهو ما يتجاوز الرقم القياسي السابق البالغ 21 صفقة في الربع الأخير من 2015.

وهذا الأسبوع، أعلن كل من غولدمان ساكس وجيه بي مورغان تشيس، عن نتائج قوية للربع الأول، مدعومةً بزيادة الرسوم من عمليات الاندماج والاستحواذ. وخلال الشهر الجاري، قدمت شركة «بيرشينغ سكوير كابيتال» التابعة لبيل أكرمان، عرضاً للاستحواذ على «يونيفرسال ميوزيك» بقيمة 55 مليار دولار.

ويبدو موقف مجالس إدارة الشركات المتفائل غريباً. فقد انتشرت التحذيرات من احتمال انهيار سوق الأسهم المدعوم بالذكاء الاصطناعي، واشتعلت الحرب في الشرق الأوسط بعد شهرين بالضبط من بداية الربع. لكن الصفقات لا تتوقف.

وثمة أسباب تدفع الشركات المتقدمة للاستحواذ إلى المضي قدماً. فقد غيّرت إدارة ترامب بشكل جذري موقف الولايات المتحدة الصارم بشأن مكافحة الاحتكار، والذي كان سائداً في عهد الرئيس جو بايدن، ما فتح المجال أمام الشركات لتحقيق عمليات استحواذ طموحة، لطالما حلمت بها.

وبموازاة ذلك، تتكتل بعض الشركات لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، أو ترى قيمة استراتيجية في التكتل في أوروبا، أو ترسيخ وجودها في الولايات المتحدة، في ظل عرقلة الرسوم الجمركية والشكوك المتبادلة للتجارة العالمية.

كذلك، فقد لاحظت مجالس الإدارة كيف اجتذبت شركات التكنولوجيا العملاقة الاستثمارات، واستنتجت أن الاستحواذ على حصص أكبر، أمر مجدٍ بدرجة كبيرة. فهل هذا صحيح؟.

وإذا عدنا إلى عام 2015، الذي حطم الأرقام القياسية، تبرز بعض الدروس. أحدها أن التفكير الاستراتيجي الواضح طويل الأجل، قد يؤتي ثماره.

وكان استحواذ شركة شل على مجموعة «بي جي»، رهاناً كبيراً على مستقبل الغاز الطبيعي المسال. وقد حققت الصفقة إلى حد كبير العديد من أهدافها المتعلقة بتوفير التكاليف والنمو والأهداف الاستراتيجية، على الرغم من المخاوف الأولية بشأن توقيتها.

كما أن ضبط الأسعار أمر بالغ الأهمية. لذلك، تكبّد مساهمو شركة «تشارتر كوميونيكيشنز» خسائر فادحة، بعد أن قدمت الشركة الأمريكية عرضاً مرتفعاً للاستحواذ على شركة «تايم وارنر كيبل»، قبل عقد.

وهكذا، فإن «الحجم وحده ليس الحل»، كما صرّح الرئيس التنفيذي لشركة كرافت هاينز آنذاك لصحيفة وول ستريت جورنال، بعد إعلان الشركة العام الماضي عن خططها للانفصال، مُلغيةً بذلك اندماج شركتي الأغذية عام 2015.

ويهدف الرئيس التنفيذي الجديد الآن إلى إعادة هيكلة المجموعة، لكن كرافت هاينز لا تزال الصفقة الأبرز التي فشلت في ذلك العام القياسي.

«بالتأكيد لم تكن فكرة دمجهما فكرةً صائبة»، وهو ما اعترف به وارن بافيت، الذي ساهمت شركته بيركشاير هاثاواي في تمويل الصفقة، لقناة «سي إن بي سي» في سبتمبر.

وبالنسبة لمستشاري عمليات الاندماج والاستحواذ، يكون أفق إبرام الصفقات واضحاً في أغلب الأحيان، رغم أن الأبحاث تُشير إلى أن ما بين 70 و75 % من عمليات الاستحواذ قد فشلت خلال الأربعين عاماً الماضية. لكن بعض التحديات بدأت تلوح في الأفق.

فقد انخفضت «مستحقات» غولدمان ساكس من رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية المستقبلية من مستويات قياسية.

وأبلغ المدير المالي لـ «جيه بي مورغان تشيس» المستثمرين بأنه على الرغم من أن «فرص إبرام الصفقات لا تزال جيدة، إلا أن التطورات في الشرق الأوسط قد تؤثر في تنفيذ الصفقات وتوقيتها». وتسعى شركات الأسهم الخاصة إلى التخلص من الشركات الزائدة في محافظها الاستثمارية.

ومع ذلك، يبدو أن صانعي الصفقات سيواصلون نشاطهم، طالما استمرت الظروف. فقد تكبد بعضهم خسائر فادحة قبل عام، عندما توقفوا مؤقتاً بسبب الصدمة السوقية التي أحدثتها تعريفات ترامب «يوم التحرير»، ليكتشفوا أن الاضطراب لم يدم طويلاً. وعلى عكس ناقلات النفط العالقة حالياً بسبب مضيق هرمز، قد تميل مجالس الإدارة إلى المضي قدماً.

وتشير دروس طفرة الصفقات الضخمة الأخيرة، إلى ضرورة التفكير ملياً، وإلا سيخاطرون بجعل مستثمريهم يدفعون الثمن على المدى الطويل.