أمريتا سين
عند إلقاء نظرة سريعة على أسعار النفط العالمية القياسية، لا يدرك كثيرون حجم الأزمة التي تعصف بأسواق الطاقة العالمية.
فأسعار خام غرب تكساس الوسيط وخام برنت في العقود الآجلة تحوم حول 100 دولار للبرميل. وصحيح أن هذا السعر مرتفع، لكنه لا يعكس تماماً حجم الاضطرابات الهائلة في تدفقات النفط الخام.
وتشير تقديرات شركة «إنرجي أسبيكتس» إلى أن خسائر إنتاج النفط الخام والمكثفات تبلغ الآن 13 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 15 % من الإمدادات العالمية، وهي الأكبر في التاريخ، وتوازي حجم الخسائر في الطلب التي شهدناها خلال جائحة كوفيد19. ومن نواحٍ عديدة، يُعد ذلك عكس تأثير كوفيد، حيث من المرجح أن يؤثر نقص الإنتاج على الطلب وليس العكس.
وإذا نظرنا إلى أسعار النفط الخام الفعلية، فإن التفاوت مذهل. وكان سعر خام برنت المؤرخ - وهو سعر الشحنات الفعلية من النفط الخام في بحر الشمال - يتجاوز 140 دولاراً للبرميل قبل وقف إطلاق النار، كما أن أسعار شحنات أخرى من حوض المحيط الأطلسي تتجاوز سعر خام برنت المؤرخ.
وبإضافة تكلفة الشحن المرتفعة، يتم تسليم هذه الشحنات إلى آسيا بأسعار تتراوح بين 150 و170 دولاراً للبرميل. ولهذا السبب، تُعاني مصافي التكرير حول العالم كثيرا من أجل أن توفر لنا المنتجات التي نستهلكها، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، بشكل مربح.
وبينما ارتفعت أسعار الديزل ووقود الطائرات في البورصات إلى ما يزيد على 200 دولار للبرميل قبل وقف إطلاق النار (وإن كانت انخفضت منذ ذلك الحين)، فإن أسعار المنتجات الأخرى تُحسب بناءً على أسعار النفط الخام الفعلية الأقل من المستويات السائدة حالياً. على سبيل المثال، تُتداول أسعار البنزين في أوروبا بانخفاض قدره 30 دولاراً للبرميل عن سعر شحنة خام فورتيس (بحر الشمال). وهذا خصم أكبر بأربع مرات من المستويات التي تم تسجيلها خلال ذروة جائحة كوفيد19.
وعالمياً، فإن متوسط هوامش الربح القياسية للمنتجات - الفرق بين أسعار المنتجات المكررة والنفط الخام - يُشابه مستويات عام 2022 عندما اندلعت الحرب بين روسيا وأوكرانيا. لكن الفارق بين تكاليف النفط الخام الفعلية والأسعار المرجعية أعلى بخمسة أضعاف، مما يدفع المصافي إلى خفض الإنتاج حتى لو تمكنت من الحصول على النفط الخام.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذا لا يقتصر على آسيا فقط، فهي المنطقة الأكثر عرضة لتأثيرات إغلاق مضيق هرمز، إذ يمر عبرها 90 % من تدفقات النفط عبر المضيق. وتقوم المصافي الآسيوية، التي تعطي الأولوية لأمن الإمدادات على حساب الأرباح، باستهلاك جميع كميات النفط الخام في حوض الأطلسي.
ومن المتوقع أن ترتفع صادرات النفط الخام الأمريكية إلى آسيا، والتي تبلغ عادةً مليون برميل يومياً، إلى أكثر من مليوني برميل يومياً خلال شهري أبريل ومايو.
ومن المتوقع نتيجة لذلك أن تؤدي هذه الزيادة في صادرات النفط الخام الأمريكية إلى انخفاض المخزونات في السوق الإقليمية الرئيسية على ساحل خليج المكسيك إلى حوالي 205 ملايين برميل بحلول نهاية مايو، أي بانخفاض قدره 35 مليون برميل على أساس سنوي. وبحلول نهاية يونيو، ستكون المستويات منخفضة للغاية، حتى بعد احتساب الكميات المعتمدة من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي.
لذلك، يتزايد الضغط تدريجياً على المصافي الأوروبية وبعض المصافي الأمريكية مع احتدام المنافسة على النفط الخام. وعادةً ما تشتري مصافي التكرير الآسيوية النفط الخام قبل شهرين من موعد وصولها إلى السوق. وبالمقارنة، تشتري الشركات الأوروبية النفط الخام قبل شهر واحد فقط، بينما تشتريه المصافي الأمريكية قبل أسابيع أو أيام فقط بفضل سهولة الوصول إلى النفط الخام عبر خطوط الأنابيب.
لكن إذا طالت اضطرابات مضيق هرمز، فقد تضطر مصافي التكرير عالمياً إلى دفع مبالغ أكبر لتأمين النفط الخام وتغيير أنماط شرائها لتتوافق مع دورات السوق الآسيوية، وإلا ستواجه خطر نقص الإمدادات.
قد يُشكل هذا الأمر صدمة لصناع السياسات الذين لم يُدركوا بعد مدى التقلب الكبير لأسواق النفط العالمية. وهكذا، فإن الولايات المتحدة، أكبر منتج للنفط حالياً، ليست بمنأى عن نقص النفط الخام، لأن المنطقة الأكثر احتياجاً، آسيا، مستعدة لدفع أسعار أعلى مقابل النفط الخام الأمريكي.
ولتجنب النقص في الولايات المتحدة، سيتعين على صناع السياسات قبول سعر أعلى أو النظر في تدخلات سوقية جذرية مثل تقييد الصادرات، الأمر الذي سيؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في إغلاق عمليات التكرير والإنتاج في المراحل الأولية على طول ساحل خليج المكسيك الأمريكي. ومن المهم أن نعلم أن معظم هذا الإنتاج يكون مُوجها للتصدير، ويصعب بدرجة كبيرة إعادة توجيهه محلياً نظراً لنمط التوزيع الجغرافي والبنية التحتية للبلاد.
وقد يُعطي سعر العقود الآجلة المسؤولين شعوراً زائفاً بالأمان، فيما يعد السعر الحقيقي للنفط هو السعر الذي يتداول به المصافي والبائعون، والذي سيُمرر في نهاية المطاف إلى المستهلكين. وقد ارتفعت أسعار البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة بشكل حاد، وتقترب أسعار الديزل من مستويات قياسية، حتى مع بقاء أسعار العقود الآجلة منخفضة نسبياً.
علاوة على ذلك، فإن كبح أسعار العقود الآجلة سيكون جهداً عبثياً إذا لم تنتهِ الحرب سريعاً. وكلما انخفض سعر العقود الآجلة اليوم، زادت الحاجة إلى ارتفاعه لاحقاً، لأنه لا يُرسل الإشارات المناسبة حالياً لتحقيق التوازن بين الطلب والعرض المحدود للغاية.