جورج هاموند
يخضع تقييم «أوبن أيه آي» البالغ 852 مليار دولار لتدقيق متزايد من قبل الداعمين الرئيسيين أنفسهم، مع تحويل المجموعة تركيزها نحو سوق المؤسسات ومواجهة منافسة «أنثروبيك».
وتهدف سلسلة من الصفقات والمبادرات والمشاريع إلى إعادة توجيه الشركة نحو استراتيجية جديدة: الحفاظ على هيمنة «شات جي بي تي» بين المستهلكين، والتنافس مع «أنثروبيك» في سوق أدوات الذكاء الاصطناعي للشركات ذات الهوامش الربحية الأعلى.
وأبلغ بعض المستثمرين في «أوبن أيه آي» صحيفة فاينانشال تايمز أن هذه التغييرات قد تجعل الشركة عرضة لمنافسة أكبر من «أنثروبيك» وعودة جوجل بقوة، كل ذلك في الوقت الذي تستعد فيه لطرح عام أولي ضخم هذا العام.
وقال أحد الداعمين الأوائل لـ«أوبن أيه آي» لديكم «شات جي بي تي»، والشركة تضم مليار مستخدم وتنمو بنسبة 50 - 100 % سنوياً، فلماذا تتحدثون عن المؤسسات والبرمجيات؟
في المقابل، لدى قيادة «أوبن أيه آي» تفاؤل كبير، بعد أن نجحت بالفعل في إعادة هيكلة الشركة عدة مرات. وقد حصل الرئيس التنفيذي سام ألتمان مؤخراً على تمويل بقيمة 122 مليار دولار الشهر الماضي من أكثر من 25 مستثمراً من كبرى الشركات، بما في ذلك سوفت بنك، وأمازون، وإنفيديا، وأندريسن هورويتز، وسيكويا كابيتال، وثرايف كابيتال.
وقالت سارة فراير، المديرة المالية لـ«أوبن أيه آي» إن الادعاء بأن المستثمرين لا يدعمون استراتيجيتنا يتنافى مع الحقائق. فقد شهدنا أكبر عملية تمويل في تاريخ الشركة. وتجاوزت الاكتتابات المبلغ المطلوب، وتم إنجازها في وقت قياسي، وحظيت بدعم مجموعة واسعة من المستثمرين العالميين، ما يعكس ثقة راسخة بتوجهنا، وزخم أعمالنا الحالي، وقيمتنا على المدى الطويل.
وقد دفع النجاح الباهر لبرنامج «أنثروبيك» إلى إعادة النظر في الاستراتيجية، إذ ارتفعت الإيرادات السنوية للشركة المصنعة لبرنامج «كلود» من 9 مليارات دولار في نهاية عام 2025 إلى 30 مليار دولار في نهاية مارس، مدفوعة بالطلب المتزايد على أدوات البرمجة الخاصة بها.
وبذلك، تتفوق أعمال شركة أنثروبيك على شركة أوبن أيه آي، التي بلغت إيراداتها السنوية 25 مليار دولار في فبراير، مع العلم بأن الشركتين تستخدمان أساليب محاسبية مختلفة لتسجيل الإيرادات، ما يجعل المقارنة المباشرة صعبة.
واتهمت دينيس دريسر، الرئيسة التنفيذية الجديدة للإيرادات في أوبن أيه آي، شركة أنثروبيك بالمبالغة في تقدير إيراداتها «بحوالي 8 مليارات دولار» من خلال «تضخيم حصتها من الإيرادات مع أمازون وجوجل»، وذلك طبقاً لما جاء في مذكرة وجهتها إلى الموظفين منذ أيام.
وتدعي الشركتان استخدامهما للممارسات المحاسبية المتعارف عليها. وقال أحد المقربين من الشركة إن أنثروبيك «تسجل إجمالي الإيرادات على المبيعات من خلال الشركاء لأنها الطرف الرئيس في الصفقة، وشركاؤها في مجال الحوسبة السحابية هم قناة التوزيع». ومع ذلك، أقرت دينيس دريسر بأن «تركيز أنثروبيك على البرمجة منحها ميزة مبكرة» في المنافسة على عملاء المؤسسات. لكنها أضافت: «السوق أمامنا لنفوز به».
وتتكبد الشركتان الناشئتان خسائر بمليارات الدولارات سنوياً، نتيجة إنفاقهما ببذخ على قوة الحوسبة لتدريب النماذج وتشغيلها. وقال أحد المستثمرين الذين دعموا الشركتين إنه لضمان الاستثمار في جولة التمويل الأخيرة لشركة أوبن أيه آي سيتعين عليهم افتراض قيمة اكتتاب عام أولي تبلغ 1.2 تريليون دولار أو أكثر.
وقد أصبح هذا الأمر أكثر صعوبة في ظل انخفاض تكلفة الاستثمار في شركة «أنثروبيك»، التي قُدّرت قيمتها مؤخراً بـ380 مليار دولار. وأضاف المصدر إن «أوبن أيه آي» تُخاطر بأن تُترك «في منطقة رمادية».
وتشير بيانات الأسواق الثانوية التي تتداول أسهماً بديلة للشركتين إلى أن الطلب على أسهم «أنثروبيك» أعلى، ولأول مرة يُفضّل المشترون الشركة الناشئة على «أوبن أيه آي». لكن لا تزال «أوبن أيه آي» تحتفظ بريادتها بين المستخدمين العاديين. فبعد أن تفوقت على منافسيها في إطلاق «شات جي بي تي» في نوفمبر 2022، حفزت إنشاء سوق جديدة لتمويل مراكز البيانات، وتحولت إلى شركة ربحية، وخصصت مئات المليارات لتأمين قوة الحوسبة.
وكان ألتمان أصدر تحذيراً شديد اللهجة أواخر العام الماضي، حث فيه الموظفين على التركيز على العمل الأساسي. وفي الشهر الماضي، حث فيجي سيمو، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «إنستاكارت» والرئيس التنفيذي لتطبيقات «أوبن أيه آي»، الموظفين على التخلي عن «المشاريع الجانبية». يأتي ذلك بعد أن أنفقت الشركة «مئات الملايين من الدولارات» على برنامج «تي بي بي إن» الحواري التقني. وقال أحد مسؤولي «أوبن أيه آي» إن البرنامج ليس مشروعاً جانبياً لأنه لا يستنزف موارد الحوسبة.
وفي مجالات أخرى، طرأت تغييرات جذرية على الخطط. فقد تبدد استثمار ديزني المخطط له بقيمة مليار دولار بعد أن أغلقت الشركة خدمة توليد الفيديو «سورا». وأشارت مايكروسوفت إلى أنها ستتخذ إجراءات قانونية إذا ما تعارضت شراكة «أوبن أيه آي» الجديدة مع أمازون، والتي تبلغ قيمتها 50 مليار دولار، مع اتفاقيتها الحصرية في مجال الحوسبة السحابية مع الشركة.
ويستمر التوسع في مجالات أخرى. ولذلك، تخطط «أوبن أيه آي» لمضاعفة عدد موظفيها تقريباً ليصل إلى 8000 موظف بحلول نهاية العام، وتتوقع حينها أن تُحقق نصف إيراداتها من الشركات، ارتفاعاً من حوالي 40 % حالياً. كما أعلنت الشركة أنها وقّعت عقد إيجار لمكتب دائم جديد في لندن العام المقبل، حيث تسعى لإنشاء أكبر مركز أبحاث لها خارج الولايات المتحدة. كما أمضت العام الماضي في إبرام صفقات ضخمة لتأمين موارد الحوسبة، وهو مجال تتمتع فيه بميزة واضحة على «أنثروبيك».
وأبلغت الشركة المستثمرين الأسبوع الماضي أنها حصلت على 8 جيجاوات من سعة الحوسبة، وهو إنجاز تدّعي الشركة أن «أنثروبيك» لن تصل إليه حتى نهاية عام 2027، إذ تهدف إلى تأمين 30 جيجاوات بحلول نهاية عام 2030.
وقد واجهت «أنثروبيك» انقطاعات في الخدمة وقيوداً على الطاقة. في المقابل، ووفقاً لأحد المشاركين في جهود «أوبن أيه آي» لتطوير البنية التحتية، «حتى لو كان نموذجنا أقل كفاءة، يمكننا ببساطة تقديم الخدمة له».
لم تُفصح شركة أنثروبيك عن خططها لزيادة قدراتها الحاسوبية، لكن المدير المالي كريشنا راو صرّح هذا الشهر بأن الشركة ستتبنى نهجاً مدروساً لتوسيع نطاق بنيتها التحتية.
وتعيد شركة أوبن أيه آي أيضاً توزيع مواردها الحاسوبية. فبالإضافة إلى إيقاف مشروع سورا، أوقفت أيضاً برنامج الدردشة الآلي «الموجّه للبالغين». وبدلاً من ذلك، تحوّل تركيزها إلى بيع أداة البرمجة الخاصة بها «كودكس» للشركات. وأفاد العديد من المطلعين على استراتيجية الشركة بأن كودكس قد تحظى في نهاية المطاف بالأولوية على «تشات جي بي تي» حيث يُعطي الموظفون الأولوية لجعل البرنامج أكثر سهولة في الاستخدام للمستخدمين غير التقنيين.
وقال أحد الأشخاص الذين اطلعوا على جهود أوبن أيه آي للوصول إلى الموارد الحاسوبية: «إنها ببساطة تجارة ذات هامش ربح أعلى بكثير، ونقل موارد الحوسبة من المستهلكين إلى المؤسسات أمرٌ في غاية السهولة».
وقال مستثمر رئيس آخر في المجموعة: «كانت الشركة تُشتّت جهودها في مجالات كثيرة، ولديها استثمارات مُتعددة. الأمر الآن يتعلق بإعادة تركيز أعمالها حول عدد قليل من الاستثمارات الأساسية». هذا كل ما في الأمر. لا يمكن لشركة أن تنافس على 30 جبهة مختلفة.
ويرى آخرون أن التغييرات المتكررة في النهج دليل على انحراف استراتيجي. ووصف جاي داس، رئيس شركة الاستثمار «سافاير فنتشرز»، شركة «أوبن أيه آي» بأنها «نتسكيب الذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى شركة الإنترنت التي كانت مهيمنة قبل أن تتفوق عليها مايكروسوفت وتستحوذ عليها «أيه أو إل».
