الصدمة الصينية الثانية.. فيضان سلع تقنية سيغير العالم

ريان ماكمورو - سام فليمنج - بيتر فوستر - جو ليهي
إنه منتج بحجم قبضة اليد تقريباً، وهو عبارة عن مستشعر يكشف تسرّب التيار الكهربائي، يركّب في شواحن السيارات الكهربائية كحاجز أمان بين السيارة وشبكة الكهرباء.

لا يعدّ هذا الجهاز رمزاً للابتكار والإنجازات التي حققها قطاع التكنولوجيا المتقدمة في الصين فحسب، بل يعكس أيضاً فيضاناً يهدد التصنيع المتقدم في جميع أنحاء العالم، ما يثير قلق الحكومات من آسيا إلى أوروبا وما وراءها.

وقد دفع ازدهار السيارات الكهربائية شحنات مستشعرات هوانغ شيان إلى 10 ملايين وحدة متوقعة هذا العام، مقارنة مع حوالي 20 ألف وحدة في عام 2019، عندما دخلت شركته «ميغا-سينواي للتكنولوجيا الإلكترونية» السوق. في ذلك الوقت، كان المنتج لا يزال متخصصاً، تورده مجموعة صغيرة من الشركات الألمانية والسويسرية التي كانت تبيع المستشعرات بحوالي 200 يوان (حوالي 30 دولاراً أمريكياً) أو أكثر للوحدة.

وصنعت شركة ميغا- سينواي أولى مستشعراتها بحوالي 40 يوان صينياً للوحدة، وباعتها مقابل 100 يوان، ما حقق لهوانغ شيان، صاحب المنتج، هامش ربح جيداً. ومع ازدياد المنافسة الصينية، بدأت الأسعار بالانخفاض، وانسحبت الشركات الأوروبية تدريجياً من السوق. وتبيع شركة هوانغ، التي تتخذ من شنغهاي مقراً لها، بعض المستشعرات الآن بسعر زهيد يصل إلى 10 يوان للوحدة. ويقول هوانغ: «لم نتوقع أبداً أن ينخفض السعر بهذه السرعة».

ويمثل مسار شركته مثالاً على القوى الاقتصادية الأوسع التي تعيد تشكيل الصناعة والتجارة العالميتين، حيث تندفع الشركات الصينية شديدة التنافسية إلى مجموعة متنوعة من الصناعات بوتيرة متسارعة.

وقبل عشرين عاماً، اهتز الاقتصاد العالمي بفعل «الصدمة الصينية» الأولى، حيث دمرت موجة من السلع منخفضة التكلفة نماذج أعمال المصنعين في الاقتصادات المتقدمة، ما أدى إلى تشريد ملايين العمال وزاد السخط الذي غذى السياسيين الشعبويين حول العالم.

والآن، تلوح في الأفق صدمة ثانية، وهي أكثر تهديداً لشركاء الصين التجاريين: هجوم يمكن أن يكون مدمراً على الصناعات التحويلية المتطورة. لكن أدت المنافسة المحلية الشرسة، إلى جانب الحجم الصناعي الهائل، ووفرة المواهب الهندسية، وبعض أعلى مستويات الدعم الحكومي في العالم، إلى ظهور شركات صينية رائدة عالمياً في مجالات السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، والبطاريات، وتوربينات الرياح، وقائمة متنامية من قطاعات التصنيع المتقدمة.

المشكلة أن القوى نفسها التي تنشئ هذه الشركات تؤدي أيضاً إلى فائض في الطاقة الإنتاجية، ما يقلل هوامش الربح محلياً ويغرق الأسواق العالمية، ويؤجج التوترات التجارية.

وبفضل سعر صرف منخفض، تحقق الشركات الصينية تقدماً ملحوظاً في أكثر الصناعات تطوراً حول العالم. وبالنسبة لهوانغ، صاحب شركة ميغا- سينواي، يبدو الأمر كأنه دوامة تسحب شركته إلى الأسفل. ويقول: «هذا وضع غير صحي بالمرة، فهناك منافسة شرسة».

ويرى العالم الخارجي شركات صينية عملاقة تبيع منتجات عالية الجودة بأسعار خيالية. فبعد أن حققت الصين فائضاً تجارياً قياسياً في السلع تجاوز تريليون دولار في عام 2025، زادت صادراتها بنحو 15% على أساس سنوي في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026. وعلى سبيل المثال، أصبحت سيارة جايكو 7 الرياضية متعددة الاستخدامات الصينية، التي يبدأ سعرها من 29 ألف جنيه إسترليني، السيارة الأكثر مبيعاً في المملكة المتحدة في مارس.

ولم يخفِ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو أحد القادة الأوروبيين الذين زاروا بكين خلال الأشهر الستة الماضية، خطورة التهديد الذي يراه وجودياً. ولذلك فقد صرح بأن تدفق السلع الصينية عالية الجودة لا يقل عن كونه «مسألة حياة أو موت» للصناعة في قارته.

في الصين، ثمة مصطلح يستخدم لوصف هذه الظاهرة: وهو «نيجوان» أو «الانطواء»، وهو مصطلح أصبح اختصاراً لديناميكية تنافسية يسعى فيها الجميع جاهدين لتحقيق عوائد متناقصة.

وقد شهدت شركة «بي واي دي»، أكبر شركة مصنعة للسيارات الكهربائية في العالم، انخفاضاً في متوسط سعر بيع سيارتها من 143,100 يوان صيني في عام 2021 إلى 119,223 يوان في العام الماضي. وخفضت شركة «نيو»، إحدى العلامات التجارية الصينية الرائدة في مجال السيارات الكهربائية، سعر سيارتها الرياضية متعددة الاستخدامات «إي إس 8» بنحو 20% منذ إطلاقها في عام 2018، على الرغم من تزويدها بتقنيات متطورة.

ويتكرر هذا السيناريو في مختلف قطاعات الصناعة الصينية، من الكيماويات إلى الطاقة الشمسية، وصولاً إلى الشركات المصنعة التي تزود عمالقة صناعة السيارات وطاقة الرياح بالمكونات: فالكميات في ازدياد مستمر، بينما تتضاءل الأرباح أو حتى تصبح سلبية.

ولا تقتصر مشكلة الاختلالات العالمية على الصين وحدها، فاستقرار الاقتصاد العالمي على المدى الطويل مهدد بنفس القدر بسبب العجز الهائل في الحساب الجاري للولايات المتحدة، وحاجة البلاد إلى خفض عجز ميزانيتها، وتعزيز الادخار الوطني، وتقليل اعتمادها على التمويل الأجنبي.

وتتصدر هذه المخاوف الهيكلية جدول الأعمال الاقتصادي الدولي، وهي محور لاجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي الجارية في واشنطن العاصمة.

لكن تصدع التحالف الغربي، الذي أثاره ترامب، جعل كبار المسؤولين متشائمين بشأن احتمالات أي محاولة منسقة لمعالجة هذه القضايا الاقتصادية الهيكلية. وبينما يستعد الرئيس الأمريكي لعقد قمة مع الرئيس شي جين بينغ الشهر المقبل لتجديد دعوات بلاده القديمة للصين لإعادة التوازن إلى اقتصادها، فإن قلة فقط تعلق آمالاً على تغيير بكين لموقفها والتخلي عن اعتمادها على الصادرات.

ويقول دليب سينغ، المستشار السابق في البيت الأبيض في عهد جو بايدن، والذي يشغل الآن منصب كبير الاقتصاديين العالميين في مجموعة إدارة الأصول «بي جي آي إم»: «هناك توجه أيديولوجي راسخ في أعلى الهرم الصيني يفضل الإنتاج على الاستهلاك. وستستمر الصين في الاعتماد على بقية العالم لاستيعاب فائض إنتاجها، لأن التكلفة السياسية الداخلية لتمكين المستهلكين المحليين باهظة للغاية».

وتعد الاقتصادات الأوروبية، بما فيها المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، من بين الدول التي ستتأثر بموجة صادرات السلع، إذ تجعلها أسعار الطاقة المرتفعة وتكاليف العمالة العالية في القارة عرضة بشكل خاص للمنتجات الأرخص ثمناً من أماكن أخرى.

وبالمقارنة، كان للصدمة الصينية الأولى آثار متباينة في أوروبا، لأن الإلكترونيات الاستهلاكية والأثاث والأجهزة المنزلية الصينية لم تكن تنافس الصناعات الأساسية، مثل صناعة السيارات الألمانية، بشكل مباشر.

أما الآن، فقد تبدد الشعور بالأمان، خاصة أن الارتفاع الكبير في الصادرات الصينية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 كان مدفوعاً بالشحنات إلى الاتحاد الأوروبي، بنسبة 21.1%، وإلى جنوب شرق آسيا، بنسبة 20.5% على أساس سنوي، حتى مع انخفاض الصادرات إلى الولايات المتحدة.

ومن المثير للقلق بالنسبة للحكومات في جميع أنحاء أوروبا وآسيا وغيرها، أن العوامل السياسية والاقتصادية التي تغذي ارتفاع الفائض التجاري الصيني تتفاقم. وقد أدى الركود العقاري المطول في البلاد وضعف شبكة الأمان الاجتماعي إلى كبح الإنفاق الاستهلاكي، ما أسفر عن تضخم صفري العام الماضي، واعتماد متزايد على الطلب الخارجي لدعم النمو.

ويتجاهل المسؤولون الصينيون الانتقادات الموجهة إلى الاستراتيجية الاقتصادية للبلاد، ما يشير إلى عدم وجود خطط فورية لتغيير المسار. وأكدت وزارة الخارجية الصينية الشهر الماضي، رداً على الجهود الأمريكية المتجددة لزيادة الرسوم الجمركية على الصين، أن «ما يسمى بمسألة فائض الطاقة الإنتاجية في الصين غير موجود في الواقع، ولا ينبغي استخدامه ذريعة للتلاعب السياسي».

ومن العوامل الحاسمة الأخرى العملة الصينية. فقد أدى انخفاض التضخم مقارنة بشركاء الصين التجاريين إلى انخفاض حقيقي في قيمة العملة خلال السنوات الثلاث الماضية، ما أسهم في تعزيز صافي الصادرات وفائض الحساب الجاري، الذي بلغ 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.

ويقدر صندوق النقد الدولي أن سعر الصرف الفعلي الحقيقي للبلاد - الذي يقيس القيمة الحقيقية للعملة مقابل سلة من العملات المنافسة - مخفض بنحو 16%، ما يعزز الميزة التنافسية التي يتمتع بها المصدرون الصينيون. وقد حافظت الصين على قدرة صادراتها على المنافسة من خلال شراء الدولار وخفض قيمة العملة، وتكوين «احتياطيات غير رسمية» عبر شبكة معقدة من البنوك المملوكة للدولة.

ويؤكد تحليل حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية دور الدعم الحكومي. وتشير تقديرات تحليل على مستوى الشركات للصناعة الصينية، أجرته المنظمة التي تضم 38 عضواً، إلى أن الشركات الصينية تتلقى دعماً حكومياً يتراوح بين ثلاثة وتسعة أضعاف ما تتلقاه نظيراتها في الدول المتقدمة.