ريتشارد ووترز
مع طرح موجة ثانية من شركات الحوسبة الكمومية أسهمها للاكتتاب العام هذه السنة، قد يكون هذا هو الوقت المناسب لبدء الاستثمار في الحوسبة الكمومية مع التركيز على عدد قليل من الشركات التي لديها أفضل فرصة لتكون أول من يبني جهازاً متكاملاً.
وبعد سنوات من التجارب العلمية المثيرة للاهتمام، بدأ السباق لإثبات أي الشركات يمكنها إنتاج جهاز عملي بحلول نهاية هذا العقد. وفي مثل هذه الأوقات، من المفترض أن المستثمرين عادة يحاولون توقع الشركات الرابحة والخاسرة.
لكن الواقع مختلف تماماً، حيث تتدفق الأموال إلى مجموعة أوسع من الشركات، بما في ذلك دعم تقنيات كمومية لا تزال في مراحل أولية من التطوير، ولذلك فقد بات هذا المجال، الذي يمكن أن يكون له تأثير عميق في مجالات متباينة مثل اكتشاف الأدوية وقياس مخاطر المحافظ الاستثمارية، مفتوحاً على مصراعيه أكثر من أي وقت مضى.
وتهدف أحدث مجموعة من شركات الحوسبة الكمومية، التي لم تبدأ جميعها التداول بعد، إلى جمع أكثر من 1.5 مليار دولار مجتمعة. ولا يُعد هذا مبلغاً كبيراً بمعايير الذكاء الاصطناعي، لكنه يعتبر استثماراً ضخماً في مجال الحوسبة الكمومية.
وتضم هذه الشركات مجموعات دولية تمثل تقنيات مختلفة، منها «إنفليكشن» من الولايات المتحدة، و«زانادو» من كندا، و«باسكال» من فرنسا، و«آي كيو إم» من فنلندا.
وسلطت الموجة الأولى من أسهم الشركات في بداية العقد، بما في ذلك «أيون كيو» و«ريجيتي» و«دي ويف»، الضوء على أكثر تقنيات الحوسبة الكمومية نضجاً في ذلك الوقت، وصُنعت وحدات الكيوبت الخاصة بها، وهي اللبنات الأساسية التي تُبنى عليها الآلات الكمومية، إما من الموصلات الفائقة أو عن طريق معالجة الذرات المشحونة، وهي تقنية تُعرف باسم مصائد الأيونات.
وقد استحوذت الموصلات الفائقة، على وجه الخصوص، على معظم الاهتمام والاستثمار. وتأمل كل من «جوجل» و«آي بي إم»، وهما الأكثر تقدماً بين شركات التكنولوجيا الكبرى، في بناء آلات كمومية كاملة تعتمد على هذه التقنية بحلول نهاية العقد، ومع ذلك يبدو أن المنافسة لم تُحسم بعد.
وكانت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة «داربا»، الذراع الابتكارية لوزارة الدفاع الأمريكية، بدأت قبل أكثر من ثلاث سنوات بحثاً لتحديد شركات الحوسبة الكمومية التي لديها أفضل فرصة لبناء حاسوب كامل «على نطاق واسع» بحلول عام 2033. ورغم تضييق نطاق البحث في أواخر العام الماضي ليشمل الشركات الواعدة، لا تزال «داربا» تدرس 14 شركة تضم مجموعة واسعة من تقنيات الأجهزة المختلفة.
وينعكس هذا التنوع في الشركات التي سارعت إلى طرح أسهمها في البورصة هذا العام، فبينما تستخدم شركة «آي كيو إم» الموصلات الفائقة، تستخدم شركتا «باسكال» و«إنفليكشن» الذرات المتعادلة في وحدات الكيوبت الخاصة بهما، وتستخدم شركة «زانادو» الفوتونات.
وتوجد مفاضلات بين جميع هذه التقنيات، فبعض وحدات الكيوبت أكثر استقراراً، لكنها تعمل بسرعة أبطأ، بينما يحتاج البعض الآخر إلى التبريد إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق، على سبيل المثال.
وتتخذ حتى بعض الشركات الأكثر تقدماً في هذا المجال احتياطات تقنية، ففي أواخر الشهر الماضي، كشفت جوجل، التي كانت تركز بشكل كامل على الموصلات الفائقة، عن إطلاقها برنامجاً بحثياً جديداً بالكامل حول الذرات المتعادلة.
كما استثمرت مايكروسوفت، التي أمضت سنوات في محاولة تسخير جسيمات نظرية لتحقيق قفزة نوعية، في مجال الذرات المتعادلة، وأقامت علاقة وثيقة في هذا السياق مع شركة «أتوم كومبيوتينج».
وفي مراحل أخرى من الاستثمار، بدأت تقنيات واعدة أخرى تجذب اهتماماً أوسع. وتشمل هذه التقنيات أجهزة تعتمد على ما يُسمى بـ«كيوبتات الدوران السيليكونية»، التي تُطوّرها شركات مثل «كوانتام موشن» في المملكة المتحدة، ومجموعتي «سيليكون كوانتام كومبيوتينج» و«ديراك» الأستراليتين.
ويقول المؤيدون إن تصنيع الكيوبتات لهذه الأنظمة هو الأقرب إلى العملية التي يقوم عليها تصنيع الرقائق الحديثة، ما يعني أنها يمكن أن تستفيد من عقود من الاستثمارات الضخمة في صناعة الرقائق، وهذا من شأنه أن يُنتج أجهزة بتكلفة أقل بكثير من مليار دولار يتوقع مسؤولو جوجل أن يتطلبها بناء أول حاسوب كمومي كامل.
ولا يعني ذلك عدم وجود بعض عمليات الاندماج والاستحواذ، فقد استخدمت الشركات الأولى التي طرحت أسهمها للاكتتاب العام مزيجاً من الأسهم والنقد للاستحواذ على شركات ناشئة واعدة.
حيث اشترت شركة «أيون كيو» شركة «أوكسفورد أيونيكس» البريطانية، واستحوذت شركة «دي ويف» على شركة «كوانتام سيركويتس» التي أسسها رائد الحوسبة الكمومية في جامعة ييل، روب شويلكوف.
ويبدو حتمياً، مع سعي الشركات الكبرى إلى تنويع استثماراتها وبناء أنظمة متكاملة رأسياً تغطي معظم جوانب أجهزة وبرامج الحوسبة الكمومية، أنها ستلجأ إلى عمليات الاستحواذ لدمج تقنيات واعدة أخرى في مسارها، ومع ذلك يراهن المستثمرون على أن المنافسة في مجال الحوسبة الكمومية ستكون مفتوحة على مصراعيها.
