فشل اجتماعات ياوندي نهاية متوقعة لعقد كارثي للتجارة العالمية


آندي هالدين
انتهى الاجتماع الوزاري الأخير لمنظمة التجارة العالمية، والذي استضافته العاصمة الكاميرونية ياوندي بفشل ذريع، إذ لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن الرسوم الجمركية على التجارة الإلكترونية، وفشلت مناقشة الإصلاحات الضرورية للمنظمة نفسها. كانت هذه نهاية مناسبة متوقعة لعقد كارثي للتجارة العالمية.

بدأ هذا العقد بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) والرسوم الجمركية التي فرضتها ولاية دونالد ترامب الرئاسية الأولى. ثم اهتزت التجارة العالمية بشدة جراء الاضطرابات الحادة في سلاسل التوريد التي سببتها جائحة «كوفيد 19» واندلاع الحرب الشاملة بين روسيا وأوكرانيا. وانتهى برسوم جمركية أمريكية هي الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، واضطراب كبير في سلاسل التوريد بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

لقد شهد العصر الذهبي للعولمة بعد الحرب العالمية الثانية تفوق التجارة العالمية على النمو العالمي بثلاثة أضعاف، لكن هذا العصر انتهى. وبالنسبة للشركات والدول، أصبحت المرونة، لا الكفاءة، هي المعيار الأساسي في القرارات التجارية. ويخشى البعض زوال العولمة، بينما يخشى آخرون انهيار النظام العالمي وما يتبعه من تراجع في التجارة العالمية على غرار ما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي.

ولتجنب هذه النتيجة، لا بد من فهم أسباب هذا التدهور في معنويات التجارة. ويكمن ذلك في خطأين كارثيين نتيجة تجاهل متعمد خلال العصر الذهبي: أولهما للتداعيات الاجتماعية السلبية للتجارة الحرة، وثانيهما لهشاشة سلاسل التوريد العالمية.

ومن اللافت للنظر أن هذه الأخطاء نفسها هي التي تسببت في انهيار النظام المالي العالمي خلال الأزمة المالية العالمية. فقد غذّى التفاوت الاقتصادي تراكم الديون المفرطة، خاصة ديون الإسكان. وكانت هشاشة سلاسل توريد الائتمان المعقدة هي التي دمرت هذا الهيكل الهائل من الديون.

وبعد أقل من عقدين من الزمن، أُعيدت هيكلة النظام المالي العالمي وتنشيطه. وتم تحويل مسار الائتمان بعيداً عن الاختناقات المصرفية لتعزيز مرونة النظام. وتتسبب اضطرابات إمداد الائتمان - كالائتمان الخاص حالياً – في زعزعة استقرار النظام، لكنها لم تعد تُغرقه.

وهناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن التجارة العالمية ستسلك على الأرجح مسار النظام المالي العالمي في هذا القرن أكثر من مسار التجارة العالمية في ثلاثينيات القرن الماضي. فالاعتماد على المسار له أهمية بالغة. وبنية سلاسل التوريد العالمية المعقدة متأصلة بعمق في نماذج الأعمال لدرجة أن تفكيكها سيكون مكلفاً للغاية.

لقد أصبح تغيير مسارات التجارة بسرعة آلية راسخة لدى الشركات والدول. وقد تجلى ذلك بوضوح بعد فرض ترامب للتعريفات الجمركية قبل عام، حيث استمرت أحجام التجارة في الارتفاع. ويتسبب الإغلاق الفعلي الأخير لمضيق هرمز في إعادة هيكلة مماثلة.

إن القدرة على إعادة التشكيل بسرعة، حتى وإن كان ذلك مكلفاً، هي مفتاح المرونة. ويكمن حل هشاشة سلاسل التوريد العالمية في نماذج تجارية مرنة وشركاء تجاريين متنوعين. بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية، قد يكمن النجاح في إدراك أن تحقيق هذه الأهداف غالبًا ما يكون أسهل من خلال الوسائل الثنائية أو المتعددة الأطراف.

ثمة سبب آخر للتفاؤل بشأن التجارة، وهو ضرورات الظروف الراهنة، فالعالم يواجه تحديين حادين متلازمين: تدهور مستويات المعيشة وارتفاع تكاليفها، وكلاهما تفاقم بسبب الأحداث في الشرق الأوسط. والعالم يفتقر الآن إلى الحيز المالي اللازم لمعالجة أي منهما. والطريقة الوحيدة الواضحة للعيان، والمعفاة من الضرائب، لتحقيق الهدفين في آنٍ واحد: التجارة.

وتشير الدراسات إلى أن زيادة بنسبة نقطة مئوية واحدة في كثافة التجارة قد ترفع الدخل القومي بنسبة 0.5 - 1 % وتخفض مستوى الأسعار بنسبة 0.1-0.5% بشكل دائم. ويصعب إيجاد سياسات أخرى تُحقق مثل هذه الفائدة المزدوجة بتكلفة منخفضة كهذه.

إن ضرورات الظروف الراهنة هي السبب الرئيسي وراء بلوغنا «ذروة التعريفات الجمركية» في الولايات المتحدة، ووراء التخلي عن الرد بالتعريفات الجمركية على غرار ثلاثينيات القرن الماضي. وهذا بالتأكيد هو السبب وراء تسريع المملكة المتحدة لجهودها لإعادة ضبط علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي.

نعم، قد يصاحب تعميق التجارة تكاليف تتعلق بعدم المساواة. لكن، بعد تجارب مريرة، بات صانعو السياسات يدركون بشكل أكبر هذه التكاليف، والأهم من ذلك، أن معالجتها قد تكون أكثر فعالية من خلال استراتيجيات صناعية فعّالة بدلاً من سياسات تجارية دفاعية.

كل هذا يدفعني للاعتقاد بأن التنبؤ بنهاية العولمة سابق لأوانه. فأي خلل في النظام العالمي هو بمثابة تمزق في وتر أخيل، وليس في الشريان الأورطي - مؤلم، وليس قاتلاً. ومن المفارقات، أن تحديات اليوم تُسهم في إعادة صياغة الحجة لصالح التجارة. فكما حفزت الأزمة المالية العالمية نظاماً مالياً جديداً مرناً، قد يُمهد هذا «العقد الكارثي» الطريق نفسه للتجارة العالمية.