تصدير الخدمات هدف الصين المقبل بعد الهيمنة على السلع

جوزيف كوينلان
لا تصدّر أي دولة في العالم سلعاً بقدر ما تقوم به الصين. وبعد أن سيطرت على التجارة العالمية في السلع، فإنها الآن باتت تتبوأ مكانة متقدمة بسرعة في التصنيف الدولي، كدولة رائدة في تصدير الخدمات القائمة على المعرفة.

وتتمثل جبهة الصين التجارية الجديدة مع العالم في تصدير الخدمات؛ مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وإدارة الإنشاءات، والخدمات الهندسية، وتحليلات البيانات، والبحث والتطوير، وبدرجة أقل، الخدمات المالية وحقوق الملكية الفكرية.

وبناءً على بيانات منظمة التجارة العالمية، تحتل الصين حالياً المرتبة السادسة عالمياً في تصدير الخدمات الرقمية، بعد أن كانت في المرتبة السابعة عشرة عام 2005.

وبعد أن حققت نحو 100 مليار دولار في عام 2024، تجني البلاد الآن من صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أكثر مما تجنيه من الصادرات التقليدية، مثل الألعاب (82 مليار دولار)، والأحذية (51 مليار دولار). وبلغت صادرات «خدمات الأعمال الأخرى» - وهي مزيج من الخدمات الاستشارية والبحث والتطوير والأنشطة التقنية - 113 مليار دولار في عام 2024، متجاوزةً بذلك صادرات الحديد والصلب (71 مليار دولار)، والملابس (85 مليار دولار). وتجاوزت صادرات خدمات البناء في عام 2024 نحو 34 مليار دولار، إجمالي صادرات الأدوات الزجاجية التي بلغت قيمتها 25.5 مليار دولار.

ويعود ما حققته الصين من ارتفاع ملحوظ لصادرات الخدمات في جزء كبير منه، إلى مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، التي ضخت تريليونات الدولارات في مشاريع البنية التحتية حول العالم. ولم يقتصر أثر هذه المبادرة على تعزيز صادرات الصلب والأسمنت والمعدات الثقيلة، وغيرها من السلع فحسب، بل شمل أيضاً الخدمات اللازمة لتشغيل الموانئ والسكك الحديدية ومحطات توليد الطاقة بكفاءة عالية، مثل عقود إدارة العمليات، وأنظمة المراقبة الرقمية، والتدريب التقني، واتفاقيات الصيانة، وتحديثات البرامج، وقدرات الحوسبة السحابية.

وعندما تقوم شركة اتصالات صينية رائدة بإطلاق شبكة في باكستان، أو عندما تُنشئ شركة تقنية صينية عملاقة مركز بيانات في البرازيل، فإن الأمر لا يقتصر على عملية واحدة، ينتهي بعدها الأمر برمته، بل يتبع ذلك اتفاقيات خدمات متعددة السنوات، تشمل الدعم التقني وصيانة الشبكة والأنشطة ذات الصلة. علاوة على ذلك، ومع ارتقاء الصين في منحنى القيمة المضافة لصادراتها من المركبات الكهربائية والروبوتات والطائرات المسيّرة والألواح الشمسية وتوربينات الرياح، توسّعت صادراتها من الخدمات كثيفة المعرفة. وكل منتج من هذه المنتجات «مرقمن»، تصاحبه مجموعة من متطلبات الخدمة المتكررة.

وعلى سبيل المثال، يتضمن تصدير المركبات الكهربائية تحديثات برمجية، ويتضمن تصدير الروبوتات والطائرات المسيّرة تصدير خدمات الاتصال السحابي وأنظمة المراقبة عن بُعد، ويتضمن تصدير الألواح الشمسية وتوربينات الرياح تصدير الخدمات الفنية والصيانة.

والآن، يدخل الذكاء الاصطناعي بقوة إلى المشهد، لا سيما مع تقدّم الصين في مجال الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر. وبفضل انخفاض تكلفتها وسهولة الوصول إليها للمستخدمين النهائيين، تكتسب نماذج اللغة الضخمة من «ديب سيك» وغيرها من الإصدارات الصينية، زخماً في جميع أنحاء العالم، خاصة في أفريقيا والشرق الأوسط والأسواق الناشئة الأخرى. كما أنها تحظى بشعبية متزايدة، ومستويات اعتماد أعلى في الولايات المتحدة. وقد تجاوز عدد التنزيلات العالمية لنماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر من الصين، نظيرتها الأمريكية في سبتمبر الماضي.

ويعني ارتفاع معدلات تبنّي هذه النماذج، زيادة في الأنشطة التي تدعم الذكاء الاصطناعي، وزيادة في الطلب على الصادرات الصينية كثيفة المعرفة، بدءاً من تحليلات بيانات الصيانة التنبؤية، وصولاً إلى إدارة البنية التحتية الذكية.

وهكذا، فقد تحول ميزان التجارة الصينية في الخدمات كثيفة المعرفة، من عجز مزمن طوال معظم هذا القرن، إلى فائض بدأ تقريباً في عام 2015. وقد بلغ فائض التجارة في «الخدمات الأخرى» أكثر من 80 مليار دولار في عام 2024، وهو رقم لم تتجاوزه في هذا المجال سوى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند.

وبطبيعة الحال، لا تزال صادرات الصين من الخدمات الإجمالية، أقل بكثير من صادراتها من السلع. ففي عام 2024، بلغت حصة صادرات الخدمات ما يعادل 12.5 % فقط من صادرات السلع. وإجمالاً، لا تزال الصين تعاني من عجز إجمالي في الخدمات. ويعود ذلك في معظمه إلى العجز الكبير في قطاع السفر، إذ ينفق الصينيون في الخارج أكثر مما ينفقه الزوار الأجانب في الصين، وعجز في عائدات التعليم. كما تعاني من عجز في عائدات حقوق الملكية الفكرية، نظراً لأنها لا تزال مستورداً صافياً لها.

لكن عند النظر إلى الصورة الأوسع، فقد دخلت التجارة الصينية مرحلة جديدة. وإذا ما تكرر التاريخ، فمن المتوقع أن ينمو فائض الصين في الخدمات كثيفة المعرفة على حساب دول أخرى، بما فيها الولايات المتحدة.