«نظرية مارادونا لأسعار الفائدة» والخيارات المتاحة أمام المصارف المركزية

أندرو ويفين
يعتبر كثيرون عمل المصارف المركزية لعبة غريبة. وقد أدرك ميرفين كينغ ذلك عام 2005 عندما طرح «نظرية مارادونا لأسعار الفائدة» بصفته محافظ بنك إنجلترا آنذاك.

كان اللورد كينغ يتحدث عن قدرة محافظي البنوك المركزية على التأثير في الأسواق بالكلمات، وتغيير مدى تقييد السياسة النقدية مع السماح لهم بالعمل دون فعل شيء.

وقال إن الأمر أشبه بمهاجم الأرجنتين الذي ركض في خط مستقيم ليسجل هدفاً ضد إنجلترا في ربع نهائي كأس العالم 1986، في حين كان المدافعون الإنجليز يرقصون حوله، متوقعين دائماً تحركاً من جانب إلى آخر.

ومنذ أن طرح المحافظ كينغ هذا التشبيه، أصبحت التوجيهات المستقبلية والظروف المالية جزءاً أساسياً من أدوات محافظي البنوك المركزية. وقد تجلى ذلك في اجتماعات لجان السياسة النقدية في مارس حول العالم.

وقدّم كل من بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رسائل متفاوتة في شدتها، من الأكثر تشدداً إلى الأقل تشدداً على التوالي.

وشهدت توقعات السوق لأسعار الفائدة تغيراً حاداً منذ ذلك الحين، مع تغيرات كبيرة بشكل خاص في أسواق السندات الحكومية قصيرة الأجل الحساسة لأسعار الفائدة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت عوائد السندات الحكومية لأجل عامين بمقدار 0.38 نقطة مئوية في الولايات المتحدة، و0.59 نقطة في ألمانيا، و0.85 نقطة في المملكة المتحدة منذ بداية مارس.

كما شهدت أسواق العقود الآجلة لأسعار الفائدة تغيراً مماثلاً، حيث تُشير الآن إلى احتمال كبير لرفع بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في اجتماعاتهما في أبريل، ومرة أخرى في الصيف. وتشير أسواق العقود الآجلة الأمريكية إلى أن الاحتياطي الفيدرالي سيُبقي أسعار الفائدة ثابتة طول العام. وتُمثل هذه التغيرات تحولاً جذرياً عن توقعات الأسواق قبل بدء الحرب.

ويُمكن القول إن هذا هو «تأثير مارادونا». فقد تغيرت أسعار السوق، وتشددت الأوضاع المالية، ما ساعد البنوك المركزية على ضمان عدم تحول أي ارتفاع في التضخم ناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة إلى ارتفاع مستمر. وفي المملكة المتحدة، أشار محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إلى أن تشديد الأوضاع المالية قد تجاوز الحد.

وبدأت هذه الآثار تظهر بالفعل في الاقتصاد الحقيقي، خاصة في سوق الإسكان. فقد عادت أسعار الفائدة الثابتة المعلنة على قروض الرهن العقاري في المملكة المتحدة، لعقود السنتين والخمس سنوات، إلى مستويات تقارب 6%، وهي المستويات التي كانت سائدة عندما كان سعر الفائدة الأساسي لبنك إنجلترا عند 5%. وانخفضت طلبات قروض الرهن العقاري في الولايات المتحدة بنسبة 10% في الأسبوع الأخير من شهر مارس.

وبالنظر إلى ارتفاع أسعار النفط، الذي يُعدّ بحد ذاته عاملاً مُضيّقاً للسوق، فإن هذه التحركات السوقية ستؤثر في الطلب، ما يُساعد على منع التضخم المُستمر. ونظراً للتسارع الكبير في وتيرة التشديد المالي منذ اجتماع البنوك المركزية في مارس، ثمة مخاوف من أن يكون جانب «الركود» في الصدمة التضخمية القادمة أكثر إثارة للقلق من جانب «التضخم» نفسه.

ومع تيسير أسواق العمل، تبدو الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أقل عرضةً لتأثيرات الموجة التضخمية الثانية مما كانت عليه بعد صدمة أسعار الطاقة عام 2022.

ويقول سانجاي راجا من دويتشه بنك: «شهدت الأوضاع المالية تضييقاً ملحوظاً منذ اجتماع بنك إنجلترا في مارس. فإلى جانب النمو المنخفض وتزايد الركود في سوق العمل، انخفضت مخاطر تأثيرات التضخم من الدرجة الثانية اليوم مقارنةً بعام 2022، في حين ارتفعت مخاطر حدوث تعديل غير خطي في النشاط الاقتصادي».

وإذا ما أثرت الأوضاع المالية المتشددة بشدة، فمن المتوقع أن نشهد أولاً تباطؤاً في معاملات سوق الإسكان، مصحوباً بتراجع في ثقة المستهلك.

ويقول أليكس بيفيس من بنك «إل إتش في» البريطاني: «ما يقلقني أكثر هو التأثير غير المباشر في الأسر. فتكاليف الرهن العقاري ترتفع الآن، لكن معدلات الادخار لم تواكب هذا الارتفاع.

إذ ارتفعت معدلات الرهن العقاري حالياً بمقدار 75 إلى 100 نقطة أساس شهرياً. فعلى سبيل المثال، بالنسبة لقرض عقاري بقيمة 250 ألف جنيه استرليني، يعادل ذلك زيادة سنوية تراوح بين 1200 و1800 جنيه استرليني تقريباً، مع فائدة ضئيلة للمدخرين حتى الآن. وهذا يمثل ضغطاً حقيقياً على الناس».

وإذا انخفضت أسعار الأسهم أيضاً، فقد يتفاقم الخطر على الاقتصاد الأمريكي. وهنا يقول جوناثان بينجل من بنك «يو بي إس»: «نشهد بالفعل تأثير تشديد الأوضاع المالية على سوق الإسكان، لكن ما يقلقني أكثر هو التراجع المحتمل في الاستهلاك نتيجة لانخفاض الثروة إذا استمرت أسعار الأسهم في الانخفاض».

ونظراً لانخفاض نسبة الادخار في الولايات المتحدة أصلاً، فإن الأسر لا تملك هامش أمان كافياً في حال انخفاض الثروة بشكل كبير.

لقد نجح عدد من محافظي البنوك المركزية في تنفيذ المرحلة الأولى من خطة استراتيجية على غرار مارادونا، والتي بدأت بالفعل في كبح جماح الطلب في الاقتصاد. وأتاح هذا للمسؤولين بعض الوقت ريثما تتضح الصورة بشكل أكبر حول مدى حدة الصدمة في قطاع الطاقة ومدتها، وكيفية انتشارها في الاقتصاد.

وهذا مفيد في الوقت الراهن، إذ يسمح لهم بالإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة، ولكنه ليس حلاً مستداماً. ولن تستمر الأوضاع المالية المتشددة، القائمة على توقعات ارتفاع أسعار الفائدة، إلا إذا ما ترجم محافظو البنوك المركزية أقوالهم إلى أفعال.