كاميلا كافنديش
أظهر استطلاع رأي انخفاضاً ملحوظاً في استخدام البالغين النشطين لوسائل التواصل الاجتماعي خلال العام الماضي، حيث بات الناس ينأون بأنفسهم عن ضجيجها. لكن الكثير منا يعرف شخصاً وقع في هذه الدوامة.
وقد بات صديق قديم من أيام الجامعة يعتقد أن تغير المناخ خدعة. ومهما قلت فهو يصر أنني خُدعت. وكعادة جميع مروجي نظريات المؤامرة، يعزز حجته ببعض المعلومات: فقد أخطأت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في توقعها ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا بحلول عام 2035؛ كما أن أعداد الدببة القطبية في ازدياد في بعض المناطق.
إن المعلومات المضللة أقدم بكثير من الإنترنت. فبعد حريق روما الكبير عام 64 ميلادياً، انتشرت مزاعم بأن نيرون أشعله عمداً. وهناك أدلة قوية على أن انتشار نظريات المؤامرة يزداد خلال التحولات التاريخية المضطربة. فقد كشف تحليل أجراه جوزيف إي أوسينسكي وجوزيف إم بارنت، لرسائل كُتبت إلى صحف أمريكية بين عامي 1890 و2010، عن ذروتين في انتشار معتقدات المؤامرة: الأولى قبيل عام 1900، في ذروة الثورة الصناعية الثانية. والثانية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، مع بداية الحرب الباردة.
لذا، فبينما يُعد تشتت الأخبار على الإنترنت اليوم، وفوضى وسائل التواصل الاجتماعي، أمراً بالغ الضرر، إلا أن مشكلتنا الأعمق قد تكون سياسية. فنحن البشر لدينا حاجة أساسية لفهم سبب حدوث ما هو غير متوقع، لا سيما عندما يكون سلبياً. ونحتاج إلى الحفاظ على صورة إيجابية لجماعتنا. في أوقات الأزمات، نميل أكثر إلى اللجوء لمصادر معلومات غريبة. وإذا فقدنا الثقة، فقد يتفاقم الوضع.
وفي العام الماضي كشفت دراستان عن استياء أغلبية سكان معظم الدول الغربية من الديمقراطية، وتراجعت هذه النسبة في أغلب الأماكن. وفي عام 2020 وجد باحثون من جامعة كامبريدج أن الاستياء من الديمقراطية بلغ أعلى مستوياته منذ 25 عاماً، لا سيما في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.
ولا شك أن الإنترنت قد منح الإعلاميين حرية أكبر في البحث عن عناوين مثيرة لجذب النقرات. لكن العديد من القادة والمؤسسات أثبتوا قصورهم. فبعد الأزمة المالية عام 2008، لم يُسجن أحد تقريباً (باستثناء في أيسلندا). واستمر المصرفيون الأثرياء في أماكن أخرى، على حد علم معظم الناس، في ممارسة أعمالهم دون أي ضوابط. كذلك فقد تبين أن شركات صناعة السيارات كانت تتلاعب باختبارات الانبعاثات لسنوات. وجنت شركات الأدوية مليارات الدولارات من تأجيج أزمة المواد الأفيونية. وقد قيل إن فيروس كوفيد 19 قد نشأ في مختبر في ووهان - لكننا لا نعلم على وجه اليقين.
وتشير الدراسات إلى أن الناس قد ينجذبون إلى دوامة الأفكار دون قصد، إما بدافع التسلية أو بدافع الاهتمام الحقيقي بموضوع ما، والذي يُصبح فيما بعد مدخلاً لمعتقدات أخرى. لا يدركون دائماً ما يحدث في المراحل الأولى. لاحقاً يبدأون بربط الأحداث غير المترابطة.
ومن الصعب دحض مثل هذه الأفكار، لأن المنطق لا يُجدي نفعاً. إن تقديم تفسير سائد يُثير اتهامات بأنك وقعت ضحية لوسائل الإعلام الاحتكارية (وهي حجة أعرفها جيداً من خلال خبرتي الطويلة مع المهووسين من سائقي سيارات الأجرة في لندن). ويقترح الخبراء أن إحدى الاستراتيجيات هي اكتشاف الحاجة العاطفية التي تلبيها نظرية المؤامرة، ثم تلبيتها بطريقة أخرى. تشير بعض أبحاث علم الأعصاب، على سبيل المثال، إلى أن نظريات المؤامرة تُفعّل نفس منطقة الدماغ المسؤولة عن الحب والصداقة: ما يوحي بأنه ينبغي علينا التواصل مع الآخرين بدلاً من قطع العلاقات معهم. هذا طلب صعب. تميل الدراسات إلى وصف أصحاب نظريات المؤامرة بأنهم معزولون اجتماعياً، ويتجنبون الأشخاص الذين يشككون في معتقداتهم.
والأمر المرعب هو أننا جميعاً عرضة للتأثر. ففي تجارب أجراها أستاذ علم النفس بجامعة كامبريدج، ساندر فان دير ليندن، وجد أن 4% فقط من الناس يستطيعون تحديد جميع القصص الزائفة التي تُعرض عليهم بشكل صحيح، لأننا نميل جميعاً إلى قبول المعلومات التي تتوافق مع معتقداتنا المسبقة، ورفض ما يخالفها. وفي كتابه «محصنون ضد التضليل: لماذا نقع ضحية المعلومات المضللة وكيف نبني مناعة ضدها»، يقترح أن نحصن أنفسنا ضد الأخبار الكاذبة من خلال «التفنيد المسبق»: أي إعداد دفاعاتنا الذهنية قبل أن نصادف معلومات خاطئة - تماماً كما قد يُحذّر محامي الدفاع هيئة المحلفين من قضية الادعاء.
كمثال على ذلك يستشهد بعريضة أوريغون، التي وقّع عليها آلاف الخبراء الرافضين للإجماع العلمي حول تغير المناخ، مع العلم بأن قلة منهم علماء مناخ. وقد وجد فان دير ليندن أن الأشخاص الذين لديهم استعداد لإنكار تغير المناخ يصبحون أكثر تشككاً في هذه العريضة عندما يُقال لهم مسبقاً إن جماعات الضغط المحافظة تستخدمها لإخفاء مدى إجماع الخبراء، وذلك لحماية أرباح شركات النفط.
لو كنتُ ما زلتُ أتحدث مع صديقي، لكنتُ جربتُ هذا الأسلوب معه. لكنني قررتُ بدلاً من ذلك أن أبذل جهداً إضافياً لقراءة ما لا أتفق معه، وأن أتجنب إغراء إلقاء اللوم على أشخاص لا أعرفهم. ربما يكون هذا هو السبيل الوحيد للحفاظ على سلامة عقلي.
