لماذا لا تقفز أسعار النفط رغم أجواء الحرب؟

أيدن رايتر - روبرت أرمسترونج

أسفر الهجوم الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية عن تصعيد متبادل، تمثل في تبادل كثيف للرشقات الصاروخية، لا تزال مستمرة حتى لحظة كتابة هذا التقرير، وذلك في تطور ينذر بعواقب خطيرة، وكما جرت العادة تركز الأسواق على المؤشر الأكثر وضوحاً: أسعار النفط.

وتشير أغلب التقديرات – والتي تبدو منطقية – إلى أن الأسعار قد تسجل ارتفاعاً من مستوياتها الحالية، لكن احتمالية حدوث قفزة حادة وخارجة عن السيطرة تظل محدودة، وفي هذا السياق يقول روري جونستون، مؤسس منصة «كوموديتي كونتِكست»: «ما ألاحظه من خلال قنواتي التحليلية لا يشير إلى أن الذروة السعرية قد تحققت، بل إن معظم المتعاملين يميلون إلى البيع عند المستويات المرتفعة، خصوصاً تلك المرتبطة بسيناريوهات المخاطر القصوى مثل احتمال إغلاق مضيق هرمز».

وتتعدد المؤشرات التي ترجح بقاء الصراع الإسرائيلي - الإيراني محدوداً في نطاقه الجغرافي الراهن، فالموقف الإيراني يتسم بضعف نسبي، فيما تتمتع إسرائيل بغطاء أمريكي ضمني، وغيرها من العوامل المعروفة. وتاريخ أسعار النفط يقدم دلالة مهمة في هذا السياق؛ فمنذ مطلع الألفية كانت التقلبات الكبرى المستدامة في أسعار النفط مدفوعة بتحولات جيواقتصادية شاملة، وليست بأحداث جيوسياسية عابرة، باستثناء اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية.

وتبرز هنا فوارق جوهرية بين الأزمة الحالية والحرب الأوكرانية، فروسيا تمثل مصدراً إنتاجياً ضخماً للنفط والغاز، يفوق بكثير القدرة الإنتاجية الإيرانية، كما أن الاعتماد الأوروبي المكثف على الإمدادات الروسية استدعى إعادة هيكلة شاملة لسلاسل التوريد العالمية. يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد العالمي كان في مرحلة نمو متسارع آنذاك، ما رفع مستويات الطلب على النفط، بينما تشير التوقعات الحالية إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي.

ومع ذلك لا يمكن إغفال تأثير الاضطرابات الجيوسياسية في إحداث خلل مؤقت بأسعار النفط، رغم أن اتجاهات هذا التأثير قد تأتي أحياناً مخالفة للتوقعات المنطقية، وكما يوضح هانتر كورنفيند، المحلل في مؤسسة «رابيدان إنرجي»، فإن الغزو الأمريكي للعراق تسبب بشكل مفاجئ في انخفاض أسعار النفط مؤقتاً في مارس 2003، بدلاً من دفعها للارتفاع، قبل أن تعاود الصعود لاحقاً، غير أن القاعدة العامة تشير إلى أن حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، خاصة الأحداث التي تمس بشكل مباشر إنتاج النفط أو تصديره، تدفع أسعار الخام نحو الارتفاع، ولعل أبرز التقلبات السعرية الحادة في التاريخ الحديث ما حدث عام 2019 حين استهدفت الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة حقول النفط ومنشآت المعالجة العملاقة في السعودية، ما عطل عملها لأيام، وأربك الإمدادات العالمية.

وفي عام 2023 شهدت أسعار النفط قفزة ملموسة عقب هجوم حماس على جنوب إسرائيل، إذ سادت المخاوف من تصعيد إقليمي شامل، غير أن هذا السيناريو لم يتحقق على أرض الواقع. ومنذ ذلك الحين اكتسبت الأسواق النفطية مناعة نسبية تجاه التوترات المتصاعدة في المنطقة، فحين اندلعت المواجهات المباشرة بين إيران وإسرائيل في أبريل وأكتوبر 2024 ظلت التقلبات اليومية لأسعار النفط محدودة في معظمها.

وتختلف الأحداث الجارية بطبيعتها عن التوترات السابقة، ورغم أن ارتفاع أسعار النفط يبدو حتى الآن محدوداً، فإن تجاهل السيناريوهات منخفضة الاحتمال عالية التأثير – أو ما يُعرف بمخاطر الذيل – ليس خياراً حكيماً.

ويستعرض روري جونستون في هذا السياق سيناريو محتملاً: إذا قررت إسرائيل، رداً على استهداف مدنها، مهاجمة منشآت تصدير النفط الإيرانية في جزيرة خرج – مع العلم بأن الضربات الإسرائيلية حتى اللحظة اقتصرت على استهداف منظومة النفط المحلية الإيرانية، فإن طهران، مع تقليص قدرتها على التصدير، قد لا تتردد في تلغيم مضيق هرمز، بل وقد تعاود استهداف منشآت نفطية إقليمية، على غرار هجمات 2019، ما قد يفضي إلى اندلاع حرب إقليمية شاملة. ويحذر جونستون قائلاً: «عندما تخرج الأمور عن السيطرة تتفاعل كل هذه المخاطر معاً، فهي ليست مخاطر منفصلة، وبالتالي فإن مجرد زيادة احتمالية وقوع هذه السيناريوهات بنسبة 1 - 2 % كفيلة بإحداث تحولات دراماتيكية في أسعار النفط».