أوروبا وهواجس التعامل مع «سيناريو الدمية»

كيف للقارة العجوز أن تواجه الصين وروسيا..وأمريكا تحت قيادة ترامب؟

سيمون كوبر

تخيل شعباً يعيش في أفضل حالاته على جزيرة هادئة في عام 1800. ليس لديهم أعداء ولا يضطرون إلى العمل الشاق لساعات طويلة. المياه هادئة حولهم وغنية بالأسماك. لكن في يوم ما، ظهرت سفن عملاقة تحمل غرباء معادين، يمتلكون تقنيات متطورة وأسلحة نارية ذات قوى سحرية! لك أن تتصور مدى الرعب الهائل الذي سينتاب أهل الجزيرة.

اليوم، يمكن تشبيه الأوروبيين بسكان هذه الجزيرة. فجأة هناك قوى خارجية «غير صديقة»، تحديداً روسيا، والصين، وحتى الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب، باتت تمثل خطراً خارجياً يحيط بهم من كل جانب. يقول برونو ماسايس، الوزير السابق للشؤون الأوروبية في البرتغال، الذي أثار حديثه الرائع في مؤتمر «فيث أنجل» التابع لمعهد «أسبن» فكرة هذا المقال: «بالنسبة لكثيرين، يبدو فقدان الغرب لهيمنته كأنه استعمار عكسي» (بالمناسبة لا يعتقد ماسايس أننا نعيش حالة استعمار فعلية)، حتى المياه التي تحيط بنا آخذة في الارتفاع. ومع ظهور تهديدات جديدة، يبدو أن الأوروبيين أصيبوا بالشلل. فكيف يمكننا الاستجابة؟

على مدار خمسة قرون تقريباً، تمثلت التجربة الأوروبية في الهيمنة والسيطرة. بدأ الأوروبيون باستعمار أفريقيا والأمريكيتين، ثم الهند، وطوال هذه الفترة، لم تواجه أوروبا سوى تهديدات من داخلها، أي من أوروبيين آخرين (مع اعتبار روسيا جزءاً من أوروبا). ورغم انتشار الأوروبيين في كل أنحاء العالم، لم يكن هناك من يجرؤ على الهجرة إلى أوروبا قبل خمسينيات القرن الماضي. وكان ذلك هو النظام الطبيعي في نظر الأوروبيين.

بعد عام 1941، ورثت الولايات المتحدة دور الهيمنة العالمية من أوروبا، لكنها بدت وكأنها ستظل الحليف الأبدي للقارة. ومع زوال عبء الهيمنة، اكتشفت أوروبا أن حياتها أصبحت أكثر ازدهاراً وهدوءاً من قبل. وإذا عدنا لعام 2000: في ذلك الوقت، كان الاقتصاد البريطاني يعادل تقريباً حجم اقتصادي الهند والصين مجتمعين. وكانت روسيا دولة منهارة اقتصادياً وجاء رئيس قومي جديد هو فلاديمير بوتين.. وحتى الجماعات الإرهابية في أوروبا كانت تبدو وكأنها تختفي من المشهد، وبدا أن القارة تتنفس الصعداء.

في عام 2000، شعر الأوروبيون بالفخر بقادتهم الذين أداروا شؤونهم بحكمة. الأجيال الأكبر سناً كانت لا تزال تحمل ذكريات الحرب، بينما في بعض الدول كانت أهوال الديكتاتوريات حاضرة في الأذهان. آنذاك، كان الأوروبيون موحدين حول قيمهم: الديمقراطية و«مناهضة الفاشية». وعندما شارك حزب يميني متطرف في الحكومة النمساوية، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات جريئة بفرض عقوبات على النمسا.

صحيح أنه لا تزال أجزاء من تلك الجنة باقية إلى اليوم، فلا يزال الأوروبيون يتمتعون بأطول الأعمار وأكثر أجود أنماط الحياة في التاريخ. ورغم محدودية فعالية اجتماعات قادتهم في بروكسل، إلا أنها أسهمت في الحفاظ على «سلام طويل» بين العشائر الأوروبية المتنافسة. لكننا اليوم، نجد أنفسنا غير مستعدين ولا مسلحين لمواجهة الغرباء الذين يمتلكون تقنيات تبدو ذات قوى سحرية: بطاريات السيارات والأجهزة التي تستمد طاقتها من الشمس! حتى القوى الخارجية الأقل تطوراً من الناحية التقنية تثير مخاوفنا، لأنهم، على عكسنا، يبدو أنهم لا يخشون الموت في ساحات القتال.

ولفت ماسايس إلى أن وجود القوات الكورية الشمالية في أوكرانيا ربما يمثل أول جيش آسيوي يقاتل في أوروبا تحت قيادة سياسية مستقلة منذ عام 1300.

في المقابل، تنظر القوى الخارجية إلى الأوروبيين كأمم متخلفة توقفت عن الإنجاب، ولم يتبقَّ لديهم سوى بعض الأصول التاريخية الجذابة التي تبدو مغرية للاستحواذ عليها: مثل القصور القديمة الفخمة، الجامعات العريقة، العلامات التجارية الفاخرة، وأندية كرة القدم الشهيرة.

وهكذا، فإن القوى الأوروبية، التي كانت يوماً تتقاسم السيطرة على العالم، تواجه الآن خطر أن تصبح هي نفسها ضحية لهذا المصير. وربما يظهر هذا التهديد بشكل واضح من خلال اتفاقية «سلام» قد يسعى ترامب فيها إلى تسليم جزء كبير من أوكرانيا إلى روسيا، دون أن يحصل الأوروبيون على فرصة لإبداء رأي يذكر. كما تواجه العديد من الدول الأوروبية خطر التحول إلى تابع للإمبراطورية الصينية «غير الرسمية»، أو حتى إلى مستعمرات روسية.

ويصف جوشوا ليفسترو، مؤلف كتاب «اتحاد أكثر كمالاً». هذا الوضع بأنه «سيناريو الدمية».

فكيف يمكننا التصرف إذن؟ يدعو ماسايس الأوروبيين لإعادة النظر في صورتهم الذاتية. نحن الآن لاعب صغير في عالم يهيمن عليه لاعبون أكبر يتمتعون بقيم مختلفة.

وتغيير عقليات متجذرة منذ قرون ليس بالأمر السهل. كذلك، في تقريره الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي، يدعو ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، إلى «أوروبا أقوى»، من خلال إنفاق «غير مسبوق» على المستويات الخاصة، والعامة، والفيدرالية، خاصة في مجال الدفاع. لكن يبدو أن الحكومات الوطنية ليست متحمسة لهذه الفكرة. ويقر ليفسترو بأن «التحولات التاريخية الكبرى لا تحدث في أوقات مثالية»، لكنه يستذكر أن أوروبا لا تتقدم إلا عندما تواجه أزمة تجبرها على ذلك. إن الأحزاب السياسية الرئيسية في أوروبا تفضل تجاهل السفن الحربية الضخمة التي تبحر نحونا. وفي الوقت نفسه، يركز اليمين المتطرف على التعبير عن قلق الأوروبيين غير المحدد تجاه الغرباء.

مثال ذلك، تلك الضجة التي أحدثها اليمين البريطاني حول «القوارب الصغيرة» التي تعبر القنال الإنجليزي. وتعد هذه الأحزاب بحظر المهاجرين، الذين يعتبرون أكثر الغرباء وضوحاً، بينما تحاول ممالأة بوتين وترامب. وعلق ليفسترو قائلاً: «إذا لم تقاوم، ستنتهي كما انتهت الهند في ظل الاستعمار، سيتم التهامها تدريجياً». وحالياً، تبدو هذه نتيجة محتملة.